التغيير بين الشعار والممارسة في لبنان

02/12/2026 - 18:48 PM

A

 

 

رشيد ج. مينا

يقال إنّ قواعد التغيير الناجح تتضمن الإيمان بأن التغيير ممكن، وتحديد رغبة صادقة فيه، والتخطيط الجيد، والصبر والمثابرة، والتواصل الفعّال، وتحمل المسؤولية، والقدرة على التكيّف والمرونة.

هذه القواعد، بما تحمله من عناصر نفسية وتنظيمية، تهدف إلى تحقيق التغيير بفاعلية وثبات.

لكن إذا أسقطناها على الواقع اللبناني، نجد أنّ التغيير، رغم كثرة الدعوات إليه، ما زال حبيس الشعارات. فحتى قوى المحاصصة والهيمنة التي تمسك بمفاصل الدولة والقرار، ترفع شعار التغيير، حتى أصبح هذا المصطلح لازمةً في كل خطابٍ أو برنامجٍ سياسي أو انتخابي.

إلّا أنّ لبنان، الذي أُدخل إلى النفق منذ أكثر من خمسين عامًا ولم يجد له مخرجًا بعد، جعل من “التغيير” عنوانًا فارغًا يستحضر باعتباره موضة العصر.

فالتغيير عند الفرد بات تبديل تبعيةٍ بصنمٍ جديد، وعند السياسي أصبح تكويعًا محسوبًا في الاتجاه الذي يضمن البقاء والمصلحة. أما التغيير الوطني، فغالبًا لا يتجاوز تبديل المموّل أو تدوير الخطاب الطائفي والمذهبي الذي يُستثمر في وجع الناس ومآسيهم. وفي الحكم، هو تبديل في الواجهات لا في السياسات ولا البرامج، بما يضمن استمرار منطق المحاصصة والهيمنة وضعف الدولة ومؤسساتها.

لكن أيّ تغيير هو المنشود؟

ليس تبديل الأصنام، ولا حماية الرؤوس بالتكويع، ولا تشريع الاستسلام تحت حجج “الواقعية السياسية”.

إنّ التغيير الحقيقي في لبنان يبدأ من استعادة الفرد لثقته بنفسه وبوطنه، وبحقه في التعبير عن رأيه وتطلعاته، ومن امتلاكه الإرادة والوعي، والانخراط في رؤية وطنية تشاركية تتيح أدواتٍ وآليات ديمقراطية حقيقية للتغيير، بعيدًا عن فزاعة الحرب الأهلية والصراعات الداخلية.

هو تغيير بفكر وطني تشاركي واعٍ، مؤمنٍ بدور لبنان وعروبته، وبإمكانات شعبه الخلّاقة متى ما أُتيحت له الفرصة الحقيقية بعيدًا عن الغوغائية والطائفية.

فالقوى المتحكمة اليوم، بتحالف المصالح والاحتكارات الممثّلة للرأسمالية المتوحشة، ليست سوى جزء من مخططٍ أميركي–إسرائيلي أوسع يسعى إلى الهيمنة، وتصفية القضية الفلسطينية، وإبقاء الواقع العربي ضعيفًا ومفككًا.

إنّ لبنان، في جوهره، لا ينقصه الفكر ولا الكفاءة ولا الأصالة، بل يحتاج إلى إرادة وطنية حرة تبلور حركة شعبية لبنانية وحدوية، عربية الانتماء، تقدمية التوجّه، تعبّر عن حقيقة الشعب اللبناني وحيويته وريادته التي لا تنضب.

فالتغيير ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا خطبة تُلقى في موسم الانتخابات، بل فعلُ وعيٍ ومسؤوليةٍ ومواجهةٍ مع الذات قبل مواجهة الآخرين. لن ينهض لبنان إلّا حين يخرج التغيير من أسر الشعارات إلى حقل الفعل، حين يصبح خيارًا وطنيًا جامعًا لا منّة فيه لأحد، بل واجبًا تجاه الوطن والإنسان. فالوطن الذي أنجب فكرًا ونضالًا بحجم لبنان، لا يُستعاد إلا بإرادة حقيقية تعيد إليه معناه ودوره، وتكتب فجرًا جديدًا يليق بتاريخه وكرامة شعبه.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment