- بقلم شربل انطون
عد ما يقرب من خمسة عقود على عام 1979، لا تزال سياسة الولايات المتحدة تجاه طهران عالقة بين مطالب مستحيلة وافتراضات فاشلة.
تنهار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران مرة أخرى تحت وطأة تناقضاتها الذاتية. والمسار الدبلوماسي الذي أعاد الرئيس ترامب فتحه في عُمان لم يكن مُعداً للنجاح أصلاً، وكان هذا الأمر واضحاً للجميع. ومع ذلك، تنزلق واشنطن الآن نحو مواجهة يصرُّ الرئيس الأميركي أنه لا يسعى إليها، حربٌ تنشأ لا عن نية، بل عن استحالة بنيوية.
يكمن جوهر هذا المأزق في قوتين لا يمكن تحريكهما: الخطوط الحمراء للمرشد الأعلى علي خامنئي وتلك الخاصة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. يصرّ خامنئي على أن تخصيب اليورانيوم حق سيادي مكفول بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ومع ذلك فهو يفتح باباً لحديث عنه ويرفض التفاوض على أي شيء يتجاوز الملف النووي. ورغم أن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي يقول إن طهران منفتحة على تخفيف نسبة اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة إذا رفعت الولايات المتحدة جميع العقوبات، فإن خامنئي، حتى ضمن هذا الهامش الضيق، لم يُبدِ أي إشارة إلى التنازلات التي قد يقبل بها.
على النقيض من ذلك، يتمثل الحد الأدنى لمطالب نتنياهو في التفكيك الكامل للبرنامج النووي الإيراني، أي وقف التخصيب، وصفر مخزون نووي، وصفر بنية تحتية نووية. والمعضلة أن هذه المواقف لا تتقاطع، ولا يوجد حل وسط دبلوماسي بينها. وقد دخل ترامب، الملتزم بمنع إيران من بلوغ العتبة النووية، في المفاوضات وهو يعلم أن الفجوة لا يمكن ردمها.
الرئيس ترامب يعلم ذلك. وقد وافق على إجراء محادثات استكشافية في عُمان رغم التقييمات الاستخباراتية — الصادرة عن خبراء حكوميين وغير حكوميين على حد سواء — والتي تُشير إلى أن الوقت اللازم لإيران لامتلاك سلاح نووي قد تقلص بشكل كبير في السنوات الأخيرة. الرئيس ترامب لا يريد الحرب، لكنه يستعد لاحتمالية نشوبها، كما يتضح من التواجد العسكري الأميركي الأوسع في الخليج. فيما لا يزال ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، ودعاة تغيير النظام الإيراني في واشنطن، يدفع الإدارة الأميركية نحو تبني موقف أكثر تشدداً تجاه النظام الإيراني.
علاوة على ذلك، لا تتطرق المحادثات إلى برنامج إيران للصواريخ الباليستية أو شبكة ميليشياتها الممتدة من اليمن إلى العراق وسوريا ولبنان. ومع ذلك، لا تُعدّ هذه أوراق مساومة بالنسبة لطهران، بل هي ركائز بنية سلطة الجمهورية الإسلامية. فخامنئي يترأس نظاماً يرتكز على الحرس الثوري الإيراني ووكلائه الإقليميين، وينظر المرشد الإيراني إلى الصواريخ باعتبارها جوهر الردع والميليشيات باعتبارها محرك النفوذ. إن مطالبته بالتفاوض للتخلي عنها بمثابة مطالبته بتفكيك البنية ذاتها التي قامت عليها الثورة الخمينية.
هذه هي المعضلة الحقيقية: تحاول الولايات المتحدة تطبيع نظام لا يرغب في أن يكون طبيعياً. على مدى سبعة وأربعين عاماً، سعت كل إدارة - من ريغان إلى أوباما - إلى تحويل الجمهورية الإسلامية إلى دولة طبيعية تلتزم بالقواعد التقليدية للدول، وقد فشلت جميعها. كما ساهم ترامب، بانسحابه من الاتفاق النووي لإرضاء نتنياهو والمتشددين في واشنطن، في ترسيخ الديناميكيات نفسها التي يسعى الآن إلى تغييرها.
والنتيجة هي مفارقة استراتيجية. ترامب لا يريد الحرب، وإيران لا تريدها أيضاً. ومع ذلك، يتجه كلا الجانبين نحوها لأن الدبلوماسية عاجزة عن تلبية مطالب كل منهما. وعندما تصبح المفاوضات مستحيلة، والردع هو اللغة الوحيدة المتبقية، يصبح سوء التقدير هو الكاتب الأرجح للفصل التالي من الصراع.
يجب على الولايات المتحدة أن تواجه هذه الحقيقة الصعبة: لقد فشلت ليس فقط في تطويع الجمهورية الإسلامية، بل أيضاً في بناء أي بديل قابل للحياة لها. فبعد ما يقرب من نصف قرن من الحكم الديني، لا تزال واشنطن تفتقر إلى استراتيجية متماسكة للتعامل مع نظام لا ينهار ولا يُصلح نفسه، نظامٌ باقٍ تحديداً لأنه يرفض أن يصبح ما افترضت السياسة الأميركية طويلًا أنه ينبغي أن يكون عليه.
يقف الشرق الأوسط الآن على حافة صراع طويل الأمد ومدمر. ولم يعد السؤال ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على منعه، بل ما إذا كانت واشنطن مستعدة لعواقب حرب لم تكن تنوي خوضها أصلاً.











02/12/2026 - 12:37 PM





Comments