بقلم د. محمد نصار
يشهد الشرق الأوسط حالة من التوتر الجيوسياسي المزمن، تتجسد أبرز ملامحها في الصراع غير المباشر والمحترم أحيانًا بين محور تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والمحور الإيراني وأنصاره من جهة أخرى. هذا التنافس لا يقتصر على الشؤون الثنائية بين القوى الكبرى والإقليمية، بل يمتد تأثيره ليعصف باستقرار المنطقة بأسرها، خاصة دول الخليج العربي التي تقع في قلب هذا الصراع أو تكون ساحته الرئيسية أحيانًا. إن فهم ديناميكيات هذا التنافس يستلزم تحليل دوافعه، وتصعيداته، والتبعات الكارثية التي يخلفها على البنية الاقتصادية والأمنية للمنطقة.
تأخذ هذه المواجهة أشكالا متعددة، تبدأ بالصراع بالوكالة وتمر بالحرب السيبرانية وتنتهي بالتهديدات العسكرية المباشرة. يرتكز الموقف الأمريكي الإسرائيلي على محاور أساسية، أهمها احتواء النفوذ الإيراني المتصاعد، ووقف برنامج إيران النووي الذي يُنظر إليه كتهديد وجودي لأمن إسرائيل، وضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الحيوية كالخليج العربي ومضيق هرمز. الولايات المتحدة، بوصفها ضامنًا تقليديًا لأمن المنطقة ومصالح حلفائها، تواصل دعمها العسكري والسياسي لإسرائيل، وتعمل على بناء تحالفات إقليمية، مثل مسار اتفاقيات أبراهام، بهدف تطويق النفوذ الإيراني وتعزيز الجبهة المناهضة لطهران.
في المقابل، تتمحور الاستراتيجية الإيرانية حول مفهوم العمق الاستراتيجي الذي تحققه عبر شبكة واسعة من الحلفاء والجماعات المسلحة المنتشرة في دول مثل لبنان (حزب الله)، والعراق (فصائل الحشد الشعبي)، واليمن (الحوثيون). هذه الأذرع تعمل كأدوات ضغط مرنة تمكن طهران من ممارسة نفوذها والتأثير على موازين القوى دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة واسعة النطاق مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، مما يقلل من مخاطر تعرض البنية التحتية الإيرانية لضربات انتقامية واسعة النطاق ، الهجمات الصاروخية أو المسيرة الموجهة ضد أهداف إسرائيلية أو مصالح أمريكية في المنطقة، غالبًا ما تُنسب إلى هذه الشبكات، مما يحافظ على إمكانية النفي أو الغموض التكتيكي.
إن التأثير المباشر لهذا الصراع المحتدم يظهر بوضوح في دول الخليج العربي ، هذه الدول، التي تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على استقرار تدفقات النفط والغاز، تجد نفسها تحت تهديد دائم. فالهجمات التي استهدفت منشآت أرامكو السعودية في بقيق وخريص عام 2019، والتي نُسبت إلى جهات موالية لإيران، مثلت صدمة كبرى للأسواق العالمية وأظهرت مدى هشاشة البنية التحتية الحيوية في المنطقة أمام التهديدات غير التقليدية. هذه الهجمات لا تهدد فقط إنتاج الطاقة، بل ترفع أيضًا تكاليف التأمين والمخاطر الاستثمارية، مما يعيق التنمية طويلة الأجل.
علاوة على ذلك، يغذي هذا الصراع سباق تسلح إقليمي غير مستدام ، فالدول الخليجية، إدراكا منها للتهديدات المتزايدة، تضاعف إنفاقها الدفاعي لشراء منظومات أمنية متقدمة، سواء من الولايات المتحدة أو دول أوروبية أخرى. هذا الإنفاق الضخم يمثل تحويلًا للموارد التي كان من الممكن استثمارها في مجالات التعليم أو البنية التحتية المدنية، ويخلق اعتمادًا أمنيًا مزمنًا على القوى الخارجية. كما أن الصراع يوفر غطاءً لتصاعد الأزمات الداخلية الإقليمية، كالحرب الأهلية في اليمن، التي تُعتبر ساحة معركة بالوكالة بين إيران والسعودية المدعومة أمريكيًا، مما أدى إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة.
ومن التداعيات الهامة أيضا تفكك النسيج الاجتماعي والسياسي في بعض الدول المتضررة ، التدخلات الخارجية، سواء كانت أمريكية أو إيرانية، عبر دعم فصائل أو جماعات سياسية مسلحة، تؤدي إلى إضعاف سلطة الدولة المركزية وزيادة الانقسامات الطائفية والعرقية ، العراق وسوريا يمثلان نموذجا صارخا لكيفية تحول الصراع الإقليمي إلى حرب أهلية مدمرة تتشابك فيها المصالح الخارجية مع الصراعات الداخلية.
في السياق الدبلوماسي، يعقد هذا التوتر الجهود الرامية إلى إيجاد حلول سلمية للمشكلات الإقليمية. كل خطوة نحو تخفيف التوتر بين طهران وواشنطن أو تل أبيب تُقابل بشكوك من الطرف الآخر، مما يخلق حالة من "السلام البارد" غير المستقر. الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) وتداعيات انسحاب واشنطن منه، يعكسان هذا التذبذب؛ فكلما شعرت إيران بضغط، زادت من تخصيب اليورانيوم، وكلما شعرت إسرائيل بتهديد، زادت الضغوط على واشنطن لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة.
فى الختام ، إن الصراع العسكري المتأرجح بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران واذرعها من جهة أخرى، ليس مجرد اشتباك ثنائي الأقطاب، بل هو محرك رئيسي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط بأكمله. دول الخليج العربي تتحمل العبء الأكبر من هذه الديناميكية المتوترة، حيث تُصبح أراضيها ومواردها أهدافًا محتملة، وتتزايد تكلفة أمنها بشكل هائل. طالما بقيت الحلول العسكرية هي الخيار الأبرز للتعامل مع التحديات الأمنية في المنطقة، سيظل السلام بعيد المنال، وستظل المنطقة رهينة لتقلبات هذا الصراع المدمر الذي يهدد بإشعال حرائق أوسع نطاقًا بكثير من حدود المواجهة الحالية ، إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب تحولا جذريا نحو الدبلوماسية الشاملة والاعتراف بالمصالح الأمنية المتشابكة لجميع الأطراف الفاعلة.











02/12/2026 - 00:38 AM





Comments