ملفات إبستين والإنهيارالعربي

02/11/2026 - 23:48 PM

Atlantic home care


بقلم: محمد شريف كامل*


https://forafreeegypt.blogspot.com/2026/02/blog-post.html

ما أن بدأت أجزاء مبتورة من ملفات التحقيق في قضية إبستين ترى النور، إلا وانتفض العديد ممن أطلقوا على أنفسهم لقب "خبراء" و"محللين"، كانوا سياسيين أو حتى رياضيين، انتفضوا يحللون القضية ويستعرضون أسماء ذُكرت في المراسلات؛ أسماء تُدان وأخرى يُهلل لها، وتناسى الجميع عن عمد أو إغفال أنهم يخوضون في أعراض شخصيات عامة قد تكون مدانة أو لا يكون لها أي علاقة بالأمر بالمرة.

البعض من تلك الأسماء أُضيفت للائحة الشرف، والبعض ظهر سقوطه ساطعاً، وآخرون كان من المطلوب التشهير بهم عن غير حق، حتى أن بعض هذه الأسماء لم يثبت تواصل إبستين معهم، ولكن وردت أسماؤهم في قائمة التليفونات الخاصة به. وفي ذات الوقت بدأ البعض يدين الغرب المنحرف وكأننا ملائكة ذلك الزمان، وما نحن إلا متسولون على أبواب الغرب، بل ومنا من سعى للتعامل مع ذلك الكائن.

وليس هدفي من تلك الكلمات أن أُدين أو أُبرئ أي من الأسماء أو الشخصيات، ولكني أود هنا أن أُدلل على أننا أصبحنا جميعاً مجرد كتلة رخوة يحركنا الغرب يميناً أو يساراً كما يشاء؛ تارة بالبلطجة أو بالتهديد والوعيد، وتارة بالسلاح، وتارة أخرى عن طريق عملاء تُوّجوا ملوكاً ورؤساء رغم أنفنا، ويحركوننا أيضاً بالإلهاء كما هو حالنا في متابعة قضية إبستين وتركيزنا على الجانب الجنسي في القضية.

لقد ثبت بلا مجال للشك أن جيفري إبستين قد بدأ يحترف تسهيل الرذيلة بكل ألوانها منذ زمن بعيد، من باب العلاقات العامة والتأثير على أصحاب القرار، وأن ذلك أمر معلوم منذ أول قضية له عام 2005، وإن كان قد بدأ احترافه قبل ذلك. وقد أصبح إبستين منذ ذلك الوقت وحتى 2019 ضيفاً دائماً على مراكز الشرطة وساحات المحاكم، لذا لا يستطيع أي إنسان تعامل معه أن ينفي علمه بذلك، ولا يستطيع أي ممن يدعون أنهم "محللون" أن يدعي أن الملفات فاجأته.

وعندما ضُيّق الخناق حوله وبدأت أسماء لامعة في مجالات السياسة والأعمال والفن والرياضة وغيرها تظهر على السطح، غاب إبستين أو غُيّب بانتحاره في السجن عام 2019، بعد شهر واحد من إلقاء القبض عليه، لأنه قد استُنفذ الغرض منه، وبالتالي لا قضية. ولكن يبقى من بعده ملفات يمكن أن يظهر البعض منها للعلن حين يُراد ذلك.

إن الخوض في حياة إبستين الذي بدأ حياته مدرساً بلا شهادة تدريس، ولكنه سُمح له بذلك حتى تم فصله في عام 1976، فانتقل إلى عالم التمويل والأعمال متسلقاً السلم، كيف ولماذا؟ لا أحد يعلم حقيقة تلك الفترة. بل ذلك أيضاً مثال جيد لانحراف العالم عن كل القيم.

إن علاقة إبستين بروبرت ماكسويل وابنته وبالموساد وببعض دول المنطقة العربية وأجهزة أخرى عديدة علاقة ثابتة بما لا يدع مجالاً للشك، ولكن لم يهتم غالبية هؤلاء "المحللين" العرب بذلك الأمر، وانصب كل تركيزهم على بعض النساء العربيات لدورهن في توريد الساقطات، وكأن حياتنا كلها أصبحت مرتبطة بالجنس والفضائح الجنسية. أنا لا أنفي أن تلك الأدوات هي ما أسقطت العديد من الساسة وأضاعت كثيراً من الأحلام، ولكنها في النهاية أدوات. أليس من الأولى أن نركز على ما يُحاك بنا على المستوى العام بما أنتجته هذه الأدوات؟

وكما ذكرت، فليس هدفي هنا أن أُدين أو أُبرئ أي من الأسماء أو الشخصيات، ولكن هدفي أن ندرك عدة حقائق، أساسها أن الأمر ليس في تلك الملفات المُفرج عن بعض الفتات منها، بل في أننا تركنا الأيدي القذرة تتحكم فينا، بل ونداوم على الاستسلام لها يوماً بعد الآخر. وأود هنا أن أستعرض بعض العناوين الرئيسية لمأساتنا الحقيقية:

  • لقد داومنا على الركوع والخنوع أمام ذلك العالم الغربي الذي يدعي التحضر. هو عالم لم يتغير ولم يحد عن دوره منذ القرون الوسطى، حيث مارس ويمارس كل أنواع الاضطهاد والاستغلال، ولم يكن غريباً عليه الاغتصاب والتهجير القسري وكل أشكال اللاأدمية في حملاته الاستعمارية. وما زالت تتحكم فيه قوى فاسدة تحركها مصالحها، ولذلك كانت شبكة علاقات إبستين متسعة، حيث مثل طريقاً لفتح الكثير من الأبواب في كل المجالات.

  • أن الكثير منا يتخذ البعض من المشاهير كمثل أعلى، علماً بأن الكثير منهم ليسوا إلا فاسدين أو تم إفسادهم لاستغلالهم حين الحاجة لذلك، وهو أسلوب معتاد تستخدمه أجهزة المخابرات، ومنهم رؤوس دول يتم إذلالهم بزلاتهم ونزواتهم.

  • أننا انخدعنا بحديث ذلك العالم عن القيم، وما هو إلا حديث انتقائي يستخدمونه حسب مصالحهم، فيرفعون شعاراتها للاستهلاك المحلي أو لإخضاع الشعوب التي لا تسير في ركبهم ولا تسمح لهم باستغلالها. ولذلك ظل إبستين طليقاً يمارس دوره في الإفساد، ثم يغيب هو وتظهر الملفات والأسماء المنتقاة حين الحاجة لها.

  • أننا قبلنا بأن يقود العالم نظام فاشي مغلف بشكل ديمقراطي حر يقودنا إلى الفناء، يرأسه شخص يمارس كل أنواع البلطجة وثبت بالدليل القاطع سوء خلقه، ليس عن طريق ملفات إبستين وحسب، بل من تاريخ أسبق لذلك. وتعاملنا مع الأمر كأننا نواجه شخصاً معتوهًا، وأصبح الأمر بالنسبة لنا أداة للتسلية، وتناسينا حقيقة المأساة أننا نُساق إلى الفناء، وكان ذلك صنفاً من أصناف الانتحار البطيء.

  • أن منا من صفق لسقوط الكتلة الشرقية مخدرين بأوهام مختلقة، فسقطنا في هوة عالم مختل توازنه، حيث أصبح هناك قوة عظمى واحدة يسعى العالم بأجمعه لإرضائها.

  • أننا قبلنا، بل ومنا من صفق لعملاء وفاسدين يحكمون ويتحكمون في مصائرنا، وقبلنا تشويههم للحقائق والتاريخ، فدمّروا حاضرنا ومستقبلنا، وسلموا أمرنا للساقطين.

إن كل ما ذكرته لا يصح أن يُستخدم كمبرر لاعتبار أن الشرق العربي سوي، أو أننا أسوياء. فتلك الأمور لم تكن خفية عنا في أي وقت من الأوقات، ولكننا كنا غالباً نغمض أعيننا لأن الحقيقة قاسية ومواجهتها تخذلنا، وضعفنا أمر لا نقدر على مواجهته، وذلك لأننا أسوأ من ذلك بادعائنا النقاء وباستسلامنا لهم.

إن جريمة الصمت إزاء كل ما واجهه ويواجهه العالم من مآسٍ تمر علينا يومياً بدون أن نبدي أي اهتمام، من الإبادة الجماعية في غزة، وتصفية القضية الفلسطينية، إلى اختطاف رئيس فنزويلا، والحصار غير الإنساني على كوبا، والرضوخ لبلطجة البيت الأبيض، ثم الموافقة على نزع آخر أسلحة المقاومة في لبنان وغزة، وتهديد إيران الدولة الوحيدة الباقية والقادرة على أن تقول "لا" في الشرق الأوسط.

وما تلك إلا جرائم من صنعنا جميعاً منذ قبولنا الخنوع والمذلة بممارسة رذيلة "كامب ديفيد"، كامب ديفيد الفكرة والمبدأ وليست فقط الاتفاقية، ثم التصفيق لسقوط الأنظمة العربية الواحد تلو الآخر بإرادة وأيدي الولايات المتحدة، ثم التصفيق للجلاد وهو يتوج نفسه ملكاً على العالم. كل ذلك يجعل "هتلر" يسعد بأنه لم يكن هو الأكثر شراً وإجراماً.

إني لا أرى مخرجاً من ذلك إلا بتكاتف كل شعوب العالم الثالث وما بقي من شعوب العالم الحر، وإلا فلتحللوا كما شئتم، وليفرح كل حزب بما لديه، فجميعنا لن يبقى منا إلا نفاية وبقايا عفنة بعد أن تنتهي الضباع من ابتلاع ما صلح منا، وسيدفع أبناؤنا ثمن ذلك لعشرات السنوات، بل وربما لمئات السنوات.

*محمد شريف كامل مهندس ومدير مشروعات، شغل مناصب مهنية عديدة، بالإضافة لكونه مدوناً وكاتباً مستقلاً، وهو أحد المؤسسين وعضو مجلس الإدارة لحركة حقوق المواطنين، وأحد المؤسسين للمجلس الثوري المصري حيث شغل سابقاً منصبي الأمين العام والمتحدث الرسمي، وأحد مؤسسي الائتلاف الكندي المصري من أجل الديمقراطية، وحركة مصريون حول العالم من أجل الديمقراطية والعدالة، وكان أحد القيادات الطلابية المصرية في السبعينات. عضو نشط في العديد من المنظمات المحلية والدولية للدفاع عن حقوق الإنسان، بالإضافة لانتخابه مفوضاً بمجلس إدارة المدارس بقطاع المدارس بجنوب مونتريال لمدة 4 سنوات. وهو أحد مؤسسي الجمعية الوطنية للتغيير في مصر (كندا) قبل الثورة، وتجمع الإعلام البديل بكيبيك – كندا، كذلك أحد مؤسسي والرئيس السابق للمنتدى الإسلامي الكندي، كما أنه أحد مؤسسي حركة كيبيك - كندا المناهضة للحرب، وأحد مؤسسي التحالف الكيبيكي-الكندي من أجل العدالة والسلام في فلسطين. وهو عضو نشط في العديد من منظمات المجتمع المدني ومن بينها اتحاد الحقوق والحريات بكيبيك – كندا. عضو في مجلس الأمناء لجمعية الكنديين المسلمين من أجل فلسطين، ومركز مسلمي مونتريال (الأمة الإسلامية). نشر له العديد من المقالات حول العديد من القضايا المحلية والدولية بثلاث لغات (العربية، الإنجليزية، والفرنسية)، ومدون ومؤسس مدونة "من أجل مصر حرة".

محمد شريف كامل يمكن التواصل معه عبر:
1-514-863-9202
e-mail: [email protected]
twitter: @mskamel
blog: http://forafreeegypt.blogspot.com/
https://www.facebook.com/APresidentForEgypt/
https://www.youtube.com/channel/UCl3y4Hxgf05Xr0iDU68r8GQ

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment