رشيد ج. مينا
ينتمي إلى إحدى جمهوريات الدول العربية الأكثر تباهياً بالتنوع والحرية والديمقراطية، وقد ناضل لسنوات دفاعاً عن فلسطين والحريات العامة وضد الإمبريالية والاستعمار والصهيونية، بل وضد ما كان يُسمّى بـ“الرجعيات العربية” وخصوصاً الدول الملكية منها.
شاءت الظروف القسرية، التي فرضتها الوصايات الأمنية والسياسية والاقتصادية لتلك "الجمهوريات الديمقراطية" ذات النتائج الانتخابية ٩٩.٩٩٪، أن تدفعه إلى الهجرة نحو إحدى الدول الملكية، حيث فوجئ بواقع مغاير تماماً لما كانت تروّج له دعايات "الجمهوريات الثورية".
ففي حين كانت تلك الجمهوريات تتغنّى بالحرية والديمقراطية والوحدة والصمود والتصدي، كانت السجون تمتلئ بالمفكرين والمناضلين والمدافعين عن العروبة والحرية وكرامة الإنسان. أما هناك، في الدولة التي كانت تُوصَف بـ“الرجعية”، فقد وجد فرص العمل والسكن والتعليم والرعاية الصحية، بل ووجد مشاريع تنمية حقيقية ومواقف صادقة في دعم فلسطين والقضايا العربية والإنسانية.
تجلّت أمامه المفارقة الكبرى: في جمهوريات الموز تُحكم الشعوب باسم الثورة والقومية والتقدمية، لكن النتيجة كانت الفساد والاستبداد وانعدام الحريات وغياب العدالة الاجتماعية.
وفي المقابل، في الممالك التي وُصفت بالرجعية، تُدار شؤون الناس بسياسات واقعية تُحقّق الاستقرار وتوفّر كرامة العيش للمواطنين والمقيمين على حدّ سواء.
وقف مع نفسه متسائلاً: هل خانه التاريخ والنضال؟ هل فقد الإيمان بالمبادئ التي حملها جيله؟ أم أنه بدأ يفيق إلى حقيقة ما خفي عنه طويلاً؟
لم تكن مراجعة للثوابت أو تخلياً عن الفكر الوحدوي العربي التحرري، بل كانت صحوة فكرية هدفها التمييز بين صدق المبادئ وزيف الممارسات، وبين من رفعوا الشعارات لبناء أوطان حرة، ومن اتخذوها سلّماً لصناعة أصنام جديدة باسم الثورة.
إنها ليست إدانة للفكر القومي ولا لمبادئ التحرر والعدالة، بل إدانة للمنافقين والانتهازيين الذين استغلوا طاقات الشعوب ودماءها، وحوّلوا الثورة إلى مزرعة شخصية. ورغم ما زرعوه من إحباط ويأس، فإن ذلك ليس قدراً.
فالشعوب قادرة على النهوض متى استعادت وعيها، والمثقفون والمفكرون مدعوون لاستعادة دورهم الريادي في بناء الدولة الوطنية الحديثة، ضمن رؤية عربية تشاركية أصيلة تُنهي عهد الشعارات الفارغة وتؤسس لنهضة قائمة على الحرية، والعدل، وتكافؤ الفرص.











02/11/2026 - 16:13 PM





Comments