العالم يصنع المستقبل… وبلادنا تهرب إلى الماضي

02/11/2026 - 09:45 AM

Prestige Jewelry

 

 

 رشيد ج. مينا

العالم يتقدّم ويزهو بإنجازاته، يخطّط ويستشرف مستقبلًا أكثر إشراقًا، فيما في بلادنا يستحضر الناس الماضي ويتمنّون عودته، ويصفونه بـ«الزمن الجميل». في بلادي، تُستعاد ذكريات الأمس ويُعاد عيشها وجدانيًا، رغم ما كان فيها من مساحة فقر وتخلّف وحرمان. ومع ذلك، يشعر كثيرون بالفخر والعنفوان وهم يستذكرونها.

العالم ينشد المستقبل، وفي بلادي يُنشَد الماضي. أليس في ذلك ما يناقض مسار التاريخ ومنطق الأمور وحكمة العقل؟

ليس التمسّك بالماضي هنا رفضًا للحاضر أو إنكارًا للمستقبل، بل لأن الماضي – في وعي الناس وذاكرتهم – ارتبط بالعزّة والكرامة، بسيادة القيم والأخلاق، بالحيوية الفكرية والإيمانية، بروح الأخوّة الإنسانية، بالإنتاج والإبداع ونشر العلم والمبادئ. في المقابل، يعيش الناس حاضرًا يشعرون فيه بالاستلاب والذلّ والمهانة، باتساع رقعة الفقر، وتسخيف العقل، وضرب الفكر الوطني والعربي، ونشر ثقافة العجز والاستسلام والخنوع، وتحويل الإنسان إلى رقم وسلعة ومستهلك بلا انتماء ولا هوية ولا مشروع ولا هدف.

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس الحنين بحدّ ذاته، بل تحويل الماضي إلى ملاذٍ نفسي وبديلٍ عن الفعل. فحين يُسحق الإنسان في يومه، ويُجرَّد من كرامته وحقوقه، ويُحاصر بالعجز والفقر وانعدام الأفق، يصبح الماضي آخر مساحة يشعر فيها بالقيمة والمعنى. عندها لا يعود استحضار الماضي فعل وعي أو قراءة نقدية للتاريخ، بل يتحوّل إلى آلية دفاع فردية وجماعية، تُستثمر أحيانًا سياسيًا وثقافيًا لتبرير الجمود، وتأجيل المواجهة، وتعليق الفشل على شماعة «الزمن الجميل».

غير أنّ الواقع المعاش، مهما كان قاسيًا، لا يجب أن يُسلَّم به كقدر. هو مرحلة ضعف، نتاج استهداف كبير لبلادنا العربية: لتاريخها، وجغرافيتها، وقيمتها الحضارية، وثقافتها، وحيويتها، ورسالتها الإنسانية، والسيطرة على ما تمتلكه من مقدّرات وثروات وممرّات وطرق.

لكن هذا الاستهداف يجب ألّا يدفعنا إلى العيش في الذكريات أو الارتهان للموروث وحده، بل إلى أن نفخر بما هو مشرّف من ماضينا، وندافع عن حاضرنا ووجودنا وحقوقنا، وأن ننهض بقوانا وطاقاتنا، ونستعيد دورنا وحقّنا في الحياة وتقرير المصير وصناعة المستقبل بحرية وإرادة صلبة، نابعة من وعي وإدراك وفكر وطني عربي وحدوي تشاركي.

صحيح أنّ التحدّيات كبيرة، لكن عدم مواجهتها يعني التلاشي والغياب، والتسليم بكل ما يريده الآخرون لنا، لا بما نريده نحن لأنفسنا ولمستقبلنا.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment