الخوري ميلاد الكورة
قرانا لا تُهجَر فجأة، بل تُفرَّغ ببطء.
يخرج منها الشباب واحدًا تلو الآخر، لا لأنهم لا يحبونها، بل لأن الحب وحده لا يوفّر عملاً ولا طبابة ولا تعليمًا ولا أفقًا. تبقى البيوت مفتوحة على الذكريات، مغلقة على الحياة. يموت طاعنو السنّ، ليس فقط من العمر المتقدم، بل من الوحدة. ومع رحيلهم، تنطفئ آخر الشهادات الحيّة على أن هذه الأمكنة كانت يومًا نابضة.
المدن لا تنتصر لأنها افضل، بل لأنها أكثر قسوة: فيها فرصة، ولو هشّة، وفيها وهم الاستمرار. أما القرى، فقد تُركت لتعيش على الحنين، والحنين لا يبني مستقبلًا. فتصبح الأراضي عبئًا بدل أن تكون مصدر عيش، وتُباع قطعة وراء قطعة، للغريب عن روح المكان. وحين تُفقد الأرض، لا يعود للانتماء معنىً.
الكنائس ستبقى حجارة شامخة، لكن الوجوه ستشيخ. الأعياد سيُحتفَل بها بصدى الأصوات لا بكثرتها. الإيمان نفسه سيتحوّل إلى طقس بلا جماعة، لأن الجماعة لم تجد سببًا لتبقى. فالإيمان يحتاج جسدًا اجتماعيًا، جماعة، لا مجرد عقائد وتاريخ.
كل ما يُبنى اليوم من طرقات، أو ساحات، أو مشاريع تجميلية، او معابد، سيبقى كذبة إن لم يُرافقه ما هو أبسط وأصعب: فرص عمل حقيقية في الأرياف،
زراعة منتِجة لا فولكلورية، صناعات صغيرة تحترم المكان وتعيش منه، خدمات صحية وتعليمية لا تشعر الإنسان أنه مواطن من درجة ثانية.
من دون ذلك، سيبقى البناء شاهدًا جامدا لقرى فارغة. وحين يرحل البشر، لا تنتظر الطبيعة طويلًا. ستستعيد الحجر، وتغطي البيوت، وتبتلع الدروب، ليس انتقامًا، بل لأن الفراغ لا يُحتمل.
إنقاذ القرى ليس مسألة عاطفية ولا تراثية فقط، بل قرار اقتصادي وسياسي وأخلاقي.
إما أن نعيد الحياة إلى حيث ولِدنا، أو سنكتشف متأخرين أن الوطن اختصر نفسه في مدن مكتظّة، بلا جذور، وبلا ذاكرة.











02/11/2026 - 07:54 AM





Comments