التدخّل في الواقع العربي... بين المفهوم الأممي والخصوصية القومية

02/11/2026 - 02:55 AM

A

 

 

 

 رشيد ج. مينا

بحسب المتعارف عليه، فإنّ التدخّل يعني الاشتراك في أمرٍ ما بغرض التأثير فيه، كما يُقال: استغلّ الأجنبي الانقسامات داخل الدول ليتدخّل في شؤونها. وينسحب المعنى أيضًا على إقحام طرفٍ نفسه في ما لا يعنيه.

وعلى مستوى العلاقات الدولية، فإنّ تدخّل دولةٍ في شؤون دولةٍ أخرى دون رغبتها يُعدّ مخالفة صريحة للقانون الدولي.

لكن، هل يمكن إسقاط هذا المفهوم الجامد على الواقع العربي بتعقيداته وتاريخه المشترك؟

فالدول العربية، التي ناضلت شعوبها ضد الاستعمار تحت رايات الوحدة والحرية والانتماء إلى الجغرافيا والمصير الواحد، لطالما جعلت من قضية فلسطين بوصلة لنضالها العربي والإسلامي. فهل يُعدّ تضامن شعبٍ عربي مع شقيقه في وجه ظلمٍ ما تدخّلاً في شؤونه الداخلية؟

وهل يُعتبر الانتصار للقضية الفلسطينية تدخلًا في شأنٍ خاصّ بالشعب الفلسطيني؟

إنّ التجارب العربية تقدّم أمثلة متعددة على “التدخّل”، بعضها حمل غطاءً شرعيًا في بدايته، كالتدخّل السوري في لبنان، الذي وإن استند إلى قرارٍ عربي رسمي، إلا أنّ ممارساته على الأرض تجاوزت مفهوم المساعدة إلى حدود الوصاية والاستئثار، حتى بدا أقرب إلى شكلٍ من أشكال الهيمنة المغلّفة بالعناوين القومية.

وفي المقابل، نرى اليوم التدخّل التركي في شمال سوريا بذريعة الأمن القومي ومواجهة القوى الكردية، وسط صمتٍ عربي شبه كامل، مما يعكس حجم التشتّت والعجز في الموقف الجماعي العربي.

ويبقى السؤال: هل اللقاء بين القوى الشعبية القومية والإسلامية وتشكيل أطرٍ فكرية أو ثقافية مشتركة يُعدّ مساسًا بسيادة الدول؟ وهل إقامة المعارضين العرب في دولٍ عربية أخرى تُعدّ تدخّلًا في شؤونها؟

الواقع أنّ تعريف التدخّل في السياق العربي لا يمكن قياسه بالتعريف الأممي الصرف، لأنّ للعرب خصوصيتهم التاريخية والسياسية. فالحدود التي تفصلهم لم تُرسم بإرادتهم، بل فرضتها القوى الاستعمارية لتجزئة الأمة وإضعاف مشروعها الوحدوي.

ومن هنا، فإنّ النضال من أجل الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية ليس تعدّياً على السيادة، بل هو جوهر المشروع العربي الحضاري الإنساني.

ومع ذلك، فإنّ قراءة التجارب الماضية تفرض مراجعةً نقدية صريحة.

فالقوى الشعبية الوحدوية مطالبة بأن تتحرّر من أخطاء الماضي وأنماط الصراع التي استُدرجت إليها، وأن تتعامل مع الواقع العربي الراهن وفق منطقٍ جديد يقوم على احترام السيادة الوطنية لكل دولة، وتحصينها من أي تدخل أجنبي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المشروع العربي المشترك في أبعاده التنموية والسياسية والثقافية.

إنّ بناء دولة المؤسسات والعدالة والمواطنة، وتعزيز الانتماء الوطني والقومي، واستعادة القرار الوطني الحر، هي اليوم أشكال النضال الحقيقي.

أما قضية فلسطين، فتبقى القضية المركزية في وعي الأمة ونضالها، وهي معيار صدق المواقف والالتزام بالمصلحة العربية العليا في مواجهة الهيمنة الأميركية والمشروع الصهيوني.

وتتطلّب المرحلة الراهنة تحقيق خطوات تكاملية عربية في ميادين الأمن والدفاع والسياسة والاقتصاد والتعليم والاتصالات، لتغدو الوحدة واقعًا تراكميًا لا شعارًا مؤجلاً، بعيدًا عن الطائفية والارتهان والتبعية، وعن استغلال الأقليات كأدواتٍ للتفتيت والتدخّل.

ولعلّ أخطر أشكال التدخّل التي تشهدها المنطقة العربية هو التدخّل الإيراني السافر الذي تجاوز حدود النفوذ السياسي إلى اختراق المجتمعات العربية من الداخل، عبر إنشاء أذرع عسكرية وأمنية وطائفية مرتبطة بالعقيدة والولاء السياسي لا بالدولة الوطنية. فإيران لم تكتفِ بتوظيف شعار “المقاومة” و“الدفاع عن المستضعفين”، بل جعلت منه غطاءً لتوسيع حضورها وفرض إرادتها على القرار الوطني في دول عدة. هذا التدخل لم يؤدِّ فقط إلى ضرب مفهوم السيادة، بل ساهم في تعميق الانقسامات المذهبية وإضعاف الدولة الوطنية، وتحويل الصراعات الداخلية إلى حروب وكالة تخدم مصالحها التفاوضية مع القوى الكبرى. إن مواجهة هذا التدخل لا تكون بالشعارات أو الاصطفافات، بل عبر استعادة الوعي العربي الجامع، وترسيخ مفهوم الدولة الوطنية المستقلة القائمة على المواطنة والمساواة، كشرطٍ لاستعادة القرار والسيادة ومنع أيّ وصاية أو تبعية جديدة.

إنّ ما تحتاجه الأمة اليوم ليس إعادة تعريف “التدخّل” بعبارات القانون الدولي الجامدة، بل إعادة تعريف الذات العربية، واستعادة الوعي بدورها الحضاري والإنساني. فالتدخّل الحقيقي الذي يُدمّر الشعوب هو ذلك الذي يبدأ من الداخل:

من الفساد، ومن الارتهان، ومن ضياع الإرادة الوطنية.

أما التلاقي العربي على مشروع نهضوي مشترك، فهو الحقّ الطبيعي والمقدّس لكل أمةٍ تسعى إلى الكرامة والحرية والوحدة.

فالعروبة لا تُقاس بالحدود ولا تُختزل بالأنظمة، بل تُقاس بالموقف من الإنسان والحرية، وبالالتزام بفلسطين كقضية مركزية، وبالقدرة على تجاوز التبعية واستعادة القرار الوطني المستقل.

وعندها فقط، يصبح كل تضامن عربي فعلَ حقٍّ، لا تدخّلًا، وكل تعاونٍ طريقًا إلى الوحدة، لا ذريعةً للوصاية.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment