لماذا أطلب من المغترب أن يعود… وأنا أفكّر بالرحيل؟ (معضلةٌ وطنيةٌ بين الصبرِ والرحيل)

02/11/2026 - 02:28 AM

Bt adv

 

 

 

فاروق غانم خداج * 

في لبنانَ، لم يَعُد سؤالُ الهجرةِ تفصيلًا شخصيًّا، بل تحوّل إلى معضلةٍ أخلاقيّةٍ جماعيّة. كيف نطلب من المغتربِ أن يعودَ، فيما المقيمُ نفسُه يبحثُ عن بابِ خروج؟ وكيف نخاطبُ من بنى حياةً مستقرّةً في الخارجِ بلغةِ الواجبِ الوطنيّ، بينما نعجزُ نحن في الداخلِ عن ضمانِ الحدِّ الأدنى من الأمانِ الاجتماعيّ والاقتصاديّ لأُسَرِنا؟

هذا السؤالُ ليس موجَّهًا ضدّ فكرةِ العودةِ، ولا هو تبريرٌ تلقائيٌّ للهجرةِ. إنّه محاولةٌ صادقةٌ لوضعِ الخطابِ الوطنيّ أمام امتحانِ الواقع. فالوطنيّةُ لا تُقاسُ بعددِ الشعاراتِ، بل بقدرةِ البلدِ على حمايةِ ناسِه، واحترامِ وقتِهم، ومنحِهم أفقًا يمكنُ التخطيطُ له. وفي زمنِ الانهياراتِ المتتاليةِ، يغدو هذا الأفقُ أشبهَ بسرابٍ يتلاشى مع كلِّ أزمةٍ جديدة.

يُقالُ كثيرًا إنّ المغتربَ هو خشبةُ الخلاصِ، وإنّ عودتَه كفيلةٌ بإنعاشِ الاقتصادِ، ونقلِ الخبراتِ، وإعادةِ الأمل. لكنّنا نادرًا ما نطرحُ السؤالَ المعاكسَ: ماذا يقدّمُ لبنانُ اليومَ لمن يعود؟ هل هناك دولةُ قانون؟ هل يوجد نظامٌ تربويٌّ وصحّيٌّ مستقرّ؟ وهل ثمّة سوقُ عملٍ يكافئُ الكفاءةَ لا الواسطة؟ من دونِ إجاباتٍ واضحةٍ، تتحوّل دعواتُ العودةِ إلى خطابٍ عاطفيٍّ جميل… لكنّه غيرُ مقنعٍ، وأحيانًا يُشبهُ الوعودَ الزائفةَ التي تتكرّرُ مع كلِّ موسمٍ انتخابيّ.

المغتربُ، في الغالبِ، لم يُغادر طوعًا. غادرَ تحت ضغطِ الخوفِ من الغدِ، أو انسدادِ الأفقِ، أو انهيارِ قيمةِ العمل. وحين استقرَّ في الخارجِ، لم يفعلْ ذلك لأنّه تخلّى عن بلدِه، بل لأنّه وجدَ ما لم يجده هنا: نظامًا واضحًا، وقواعدَ ثابتةً، واحترامًا حقيقيًّا للجهد. لذلك، فإنّ مطالبته بالعودةِ من دون تغييرِ الشروطِ نفسها التي دفعته إلى الرحيلِ تُشبهُ مطالبةَ الغريقِ بالعودةِ إلى الماءِ نفسِه الذي كادَ يقتله. وهكذا، يصبحُ الوطنُ في نظرِ كثيرينَ ليس ملاذًا، بل عبئًا يُحمَلُ وحيدًا.

في المقابلِ، يعيشُ المقيمُ اللبنانيُّ تناقضًا لا يقلُّ قسوةً. فهو مطالبٌ بالصبرِ الدائمِ، وبالتكيّفِ مع الأزماتِ المتلاحقةِ، وبالقيامِ بدورِ “الحارسِ الأخيرِ” لفكرةِ الوطن. غير أنّ الصبرَ، حين يتحوّلُ إلى نمطِ حياةٍ، يغدو استنزافًا. والاعتيادُ على الانهيارِ لا يصنعُ مواطنينَ أقوياءَ، بل منهكينَ يفقدونَ تدريجيًّا إيمانَهم بالغد.

ومن موقعٍ شخصيّ، لا أكتبُ هذا الكلامَ من برجٍ عاجيّ. فأنا معلّمٌ أمضيتُ ربعَ قرنٍ في التربيةِ والتعليم. علّمتُ أجيالًا كاملةً، وأرى اليومَ عددًا كبيرًا من طلابي في الاغتراب، بعضُهم في مواقعَ أكاديميّةٍ ومهنيّةٍ متقدّمة. أفرحُ لنجاحِهم، لكنّني أتساءلُ بمرارة: لماذا لم يستطع هذا البلدُ أن يكونَ مكانَهم الطبيعيّ؟ بقيتُ طويلًا مؤمنًا بأنّ البقاءَ فعلُ مسؤوليّةٍ، وبأنّ التعليمَ شكلٌ من أشكالِ المقاومةِ الهادئة. غير أنّ الأبُوّةَ تغيّرُ زاويةَ النظر. فحين يصبحُ لديك أطفالٌ، لا تعودُ تملكُ ترفَ الصبرِ وحدَك. ولهذا أقولُ بصدقٍ: لو تهيّأت لي فرصةُ السفرِ، لما تمنّعتُ، لا هروبًا من لبنانَ، بل خوفًا من أن يعيشَ أطفالي ما عشتُه من قلقٍ دائمٍ وانسدادِ أفق. عندها، لا تعودُ الهجرةُ خيارًا أنانيًّا، بل محاولةً أخيرةً لحمايةِ الكرامةِ والمستقبل. ومع ذلك، يظلُّ السفرُ في تفكيري لا رفضًا للوطنِ، بل بحثًا عن حياةٍ تُحقّقُ العدالةَ الأساسيّة.

هذا الاعترافُ لا يُلغي الإيمانَ بالوطنِ، بل يعيدُ تعريفَه. فالوطنُ ليس فكرةً مجرّدةً نُضحّي لأجلِها بلا نهايةٍ، بل عقدٌ متبادلٌ بين الفردِ والدولة. وحين يختلُّ هذا العقدُ، يصبحُ من حقّ الإنسانِ أن يسألَ، وأن يبحثَ عن بدائل. المشكلةُ ليست في من يُغادرُ، بل في منظومةٍ تدفعُ أبناءَها إلى الرحيلِ، ثمّ تلومُهم على ذلك، كأنّ الخطأَ فيهم لا في السببِ الجذريّ.

ما الذي قد يُقنعُ المغتربَ بالعودةِ فعلًا؟ ليس الحنينُ وحدَه، ولا الخطاباتُ السياسيّةُ، ولا الصورُ الموسميّةُ عن “صيفِ لبنان”. ما يُقنعُه هو الحدُّ الأدنى من الاستقرارِ، وقضاءٌ مستقلّ، وإدارةٌ شفّافة، وفرصةُ عملٍ واضحة، ومدرسةٌ محترمةٌ لأولاده. فالمغتربُ لا يطلبُ لبنانَ المثاليّ، بل لبنانَ الممكن، الذي يسمحُ له بأن يعيشَ بكرامةٍ من دون أن يكونَ بطلًا يوميًّا في معركةِ البقاء.

أمّا الاستمرارُ في مطالبةِ المغتربينَ بالعودةِ من دون أيّ إصلاحٍ جدّيّ، فهو نوعٌ من الهروبِ إلى الأمام. كأنّنا نطلبُ من الخارجِ أن يُصلحَ ما عجزَ الداخلُ عن إصلاحِه، وكأنّنا نراهنُ على حبِّ الناسِ للوطنِ بدلَ أن نراهنَ على عدالةِ الدولةِ التي تُعيدُ بناءَ الثقة.

في النهايةِ، لا أملكُ وصفةً سحريّةً، ولا دعوةً جاهزة. أملكُ سؤالًا فقط، وأظنّه سؤالَ جيلٍ كامل: هل نريدُ من المغتربِ أن يعودَ ليشاركَنا الانهيارَ، أم نريدُ أن نُعيدَ بناءَ بلدٍ يستحقُّ العودة؟ بين هذين الخيارين، يتحدّدُ معنى الوطنِ، ومعنى البقاءِ، ومعنى الرحيل.

 

كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني*

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment