بيروت – بيروت تايمز – تحقيق جورج ديب
منذ سنوات توقّفت رحلات الطيران بين لبنان والولايات المتحدة الأميركية، وتوقّف معها شيء أكبر بكثير من حركة سفر. توقّف جسر إنساني، عاطفي، اقتصادي، وثقافي يربط لبنان بأكبر جالية له في العالم. ومع ذلك، لم يصدر أي إعلان رسمي يشرح للناس لماذا انقطع هذا الخط، ولا متى سيعود، ولا ما الذي يمنع إعادة تشغيله. وكأنّ الأمر لا يعني الدولة، ولا مؤسساتها، ولا حتى اللبنانيين المنتشرين الذين ما زالوا، رغم كل شيء، يحملون لبنان في قلوبهم.
لكنّ الصمت المحيط بملف خط بيروت – نيويورك لم يعد مجرّد تقصير إداري أو إهمال عابر. لقد أصبح فعلًا سياسيًا بحدّ ذاته، يحمل في طياته قرارًا غير معلن بعزل لبنان جوًا عن أحد أهم امتداداته البشرية والاقتصادية. فحين يُغلق شريان استراتيجي بهذا الحجم لسنوات، من دون تفسير، ومن دون مبادرة، ومن دون حتى اعتراف بالمشكلة، نكون أمام أزمة أعمق من مجرد رحلة جوية. نكون أمام أزمة في فهم الدولة لذاتها، ولشعبها، ولمصالحها.
الأخطر أنّ هذا الصمت يأتي في وقت تعترف فيه الولايات المتحدة نفسها وبشكل رسمي بأن الدولة اللبنانية والجيش اللبناني يسيطران بالكامل على مطار بيروت والمناطق المحيطة به. أي أنّ الذريعة الأمنية ساقطة سلفًا، وأنّ المطار خاضع لسلطة الدولة الشرعية، باعتراف دولي لا لبس فيه. ومع ذلك، يبقى الخط مقفلاً، ويبقى الغموض سيّد الموقف.
خط بيروت – نيويورك ليس خطًا عاديًا.
إنه الرابط الجوي الوحيد المباشر بين لبنان والولايات المتحدة، البلد الذي يحتضن جالية لبنانية تُعدّ من الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا في العالم. هذه الجالية لم تكن يومًا عبئًا على الدولة، بل كانت دائمًا سندًا لها: بالتحويلات، بالاستثمارات، بالدعم السياسي، وبالدفاع عن صورة لبنان في الخارج. واليوم، في ذروة الانهيار، تُقفل هذه النافذة، وكأنّ الرسالة واضحة: لبنان الرسمي لم يعد معنيًا بربط نفسه بأبنائه.
ورغم التقدير الكبير لإدارة شركة طيران الشرق الأوسط التي تُقدَّم دائمًا كـ "الناقل الوطني" وواجهة لبنان الجوية، يبقى السؤال مشروعًا: كيف يمكن لشركة بهذا الحجم والخبرة والمكانة أن تلتزم الصمت تجاه خط استراتيجي يربط لبنان بأكبر جالية له؟ فإذا كانت MEA فعلًا تمثّل لبنان في السماء، فمن واجبها أن تكون في مقدّمة المطالبين بإعادة تشغيل هذا الخط، لا في موقع المتفرّج على تعطيله.
الحجج غير المعلنة التي تُسرَّب في الكواليس تتراوح بين "أسباب أمنية" و "معايير أميركية" و "عدم جدوى اقتصادية". لكن إن كانت هذه الحجج صحيحة، فلماذا لا تُقال رسميًا؟ ولماذا لا تُوثَّق؟ ولماذا لا تُقارن بوقائع واضحة: شركات طيران في المنطقة، من مطارات تواجه تحديات أمنية وسياسية أكبر بكثير، تسير رحلات مباشرة إلى الولايات المتحدة وتلتزم بالمعايير نفسها وتحصل على الموافقات نفسها. فلماذا يُستثنى مطار بيروت؟ ولماذا يُعامل لبنان كحالة غير قابلة للثقة أو الإصلاح؟
السؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو سؤال السيادة على المطار.
هل مطار بيروت، الذي يُفترض أنه مرفق سيادي خاضع بالكامل لسلطة الدولة اللبنانية، قادر فعلًا على نيل ثقة المجتمع الدولي؟ وإذا كان الجواب نعم كما تقول التقارير الأميركية، فلماذا لا تتحرّك الدولة لفرض هذه الحقيقة؟ وإذا كان الجواب لا، فلماذا تستمر الدولة في إخفاء هذا العجز بدل مواجهته؟.
رغم أنّ الدولة اللبنانية والجيش اللبناني يسيطران بالكامل على مطار بيروت والمناطق المحيطة به، إلا أنّ استمرار الغموض حول خط بيروت – نيويورك يطرح سؤالًا أخطر بكثير من مجرد تشغيل رحلة جوية.
إنه سؤال: من يملك القرار الفعلي في المطار؟ ومن يملك حق الفيتو غير المعلن على ربط لبنان بالعالم؟ ومن يقرّر، بصمت أو بقرار، أن يبقى لبنان معزولًا عن أبنائه؟ هنا تصبح القضية أكبر من خط طيران.
فالدولة التي لا تستطيع أن تفرض روايتها الرسمية حول أمن مطارها، ولا أن تدافع عن أهليته أمام الشركاء الدوليين، ولا أن تفاوض بأسم سيادتها على خط استراتيجي بهذا الحجم، هي دولة تعترف ضمنيًا بأنها لا تملك السيطرة الكاملة على قرار أحد أهم مرافقها، حتى لو كانت السيطرة الأمنية والعسكرية مثبتة وموثّقة. وهذا التناقض بين السيطرة الفعلية والقرار المعطّل هو ما يجعل الملف أكثر خطورة، ويحوّله من مسألة تقنية إلى سؤال سيادي بامتياز.
الأخطر من ذلك هو أن هذا الواقع يُترك بلا أي مواجهة سياسية. لا مجلس وزراء يناقش الملف بجدية. لا مجلس نواب يفتح تحقيقًا. لا رئاسة جمهورية تضعه في صلب خطابها السيادي. وكأن الجميع ارتضى أن يكون عزل لبنان الجوي أمرًا واقعًا، لا يستحق حتى التبرير.
في المقابل، لا يوجد الآن أي موقف أميركي رسمي معلن يقول إن مطار بيروت غير مؤهل. لا قرار منشور، لا بيان واضح، لا وثيقة يمكن للرأي العام الاطلاع عليها. وهذا ما يجعل الصمت اللبناني أكثر ريبة. فإما أن هناك قرارًا أميركيًا غير معلن يُنفَّذ بصمت، وإما أن هناك تقصيرًا أو تواطؤًا لبنانيًا في عدم السعي الجدي لإعادة فتح الخط. وفي الحالتين، النتيجة واحدة: لبنان معزول، ومغتربوه يُدفعون دفعًا إلى فك ارتباطهم التدريجي به.
دور شركة طيران الشرق الأوسط في هذا السياق لا يمكن إعفاؤه من النقد. فهذه الشركة، التي تتمتع بوضع شبه احتكاري، والتي تُقدَّم كواجهة وطنية، لا تتصرّف كأنها معنية بمصلحة وطنية عليا. بل تبدو وكأنها مرتاحة لواقع يُبقيها خارج المنافسة العابرة للقارات، من دون أن تُضطر لتقديم أي تفسير. وهنا يُطرح السؤال المشروع: هل قرار عدم تشغيل الخط هو قرار الشركة وحدها؟ أم أنها تنفّذ قرارًا سياسيًا أو أمنيًا لا تريد تحمّل مسؤوليته علنًا؟
أما وزارة الأشغال العامة والنقل، فلماذا لا تتحرك. فالوزارة التي يُفترض أن تكون المرجعية الأولى في هذا الملف، لم تُصدر حتى اليوم تقريرًا علنيًا يشرح الوضع، ولم تعلن عن أي خطة عمل، ولم تواجه الرأي العام بالحقيقة، مهما كانت. وهذا الغياب لا يمكن تفسيره إلا كنوع من التهرّب من المسؤولية، أو كجزء من سياسة إبقاء الملف في المنطقة الرمادية.
أين وزارة الخارجية؟ وأين سفارتا لبنان في نيويورك وواشنطن؟
لا يمكن الحديث عن خط بيروت – نيويورك بمعزل عن الدور المفترض لوزارة الخارجية اللبنانية وسفارتي لبنان في نيويورك وواشنطن. فهذه المؤسسات ليست ديكورًا دبلوماسيًا، بل هي الواجهة الرسمية التي يُفترض أن تدافع عن مصالح اللبنانيين في الخارج، وتتابع كل ما يتعلق بحركتهم، وحقوقهم، وارتباطهم بوطنهم الأم.
وزارة الخارجية: غياب غير مبرّر
من غير المقبول أن يبقى هذا الملف خارج دائرة اهتمام وزارة الخارجية، خصوصًا أن الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة تُعدّ من الأكبر والأكثر تأثيرًا وإعادة فتح الخط تُسهّل التواصل، الاستثمار، والسياحة. وأي قرار أميركي يتعلق بالطيران المدني يمرّ عبر القنوات الدبلوماسية، وإن هذا الملف يمسّ مصلحة وطنية عليا، ولا يمكن تركه في دائرة الغموض.
اللبنانيون يستحقون معرفة الحقيقة.
كلفة هذا التعطيل لا تُقاس فقط بالأرقام، بل بالمعنى السياسي. فلبنان الذي يُمنع أو يعجز عن تسيير رحلة مباشرة إلى نيويورك، هو لبنان يُقال له ضمنيًا إنه غير موثوق، أو غير قادر، أو غير مسموح له. وهذه رسالة خطيرة، لأنها تضرب ما تبقى من صورة الدولة، وتُعمّق شعور المغتربين بأن بلدهم لم يعد قادرًا حتى على الدفاع عن أبسط حقوق التواصل.
إن استمرار هذا الواقع يعني عمليًا خسارة ملايين الدولارات سنويًا، وتراجع السياحة، وضرب قطاع الأعمال، وتعزيز عزلة لبنان الدولية. لكنه يعني أيضًا شيئًا أخطر: تعميم فكرة أن القرار السيادي في لبنان مُجزّأ، وأن ملفات حيوية يمكن أن تُدار من خارج المؤسسات الدستورية، ومن دون أي مساءلة أو نقاش علني.
هذا التحقيق – الرأي، لا يدّعي امتلاك كل الأجوبة، لكنه يرفض القبول بالصمت. فإما أن تخرج الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها لتقول الحقيقة كاملة: لماذا لا يُعاد فتح خط بيروت – نيويورك، ومن يمنع ذلك، وما هي الشروط، وما هو الجدول الزمني. وإما أن تعترف، صراحة أو ضمنًا، بأن هذا القرار ليس بيدها، وأن سيادتها الجوية منقوصة.
في الحالتين، لم يعد مقبولًا التعامل مع هذا الملف كأنه شأن ثانوي. لأن خط بيروت - نيويورك ليس مجرد رحلة. هو مرآة تعكس واقع الدولة اللبنانية اليوم: دولة تتجنب الأسئلة الصعبة، وتفضّل الصمت على المواجهة، وتترك أبناءها في الداخل والخارج يدفعون ثمن الغموض.
وإلى أن تُكسر هذه الحلقة، سيبقى السؤال مطروحًا بلا مواربة: من يملك فعليًا قرار وصل لبنان بالعالم؟ ومن قرر أن يبقى هذا البلد، بكل تاريخه واغترابه، معلقًا في عزلة جوية لا يجرؤ أحد على شرحها؟











02/10/2026 - 17:28 PM





Comments