الانقسام الاستراتيجي لا يتوافق مع مصالح القوى الكبرى في المنطقة

02/10/2026 - 11:34 AM

Bt adv

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

واجهت السعودية منذ ثورات ما يسمى بالربيع العربي تحركات إقليمية لتوسيع نفوذها نتج عنها تصاعد توترات في المنطقة عبر وكلاء، ساهم هذا النفوذ إلى تدمير دول وتفكيك بعضها بدءا من العراق وسوريا ولبنان وليبيا، والسودان، واليمن والصومال.

رفضت مؤخرا السعودية الانضمام لاتفاقيات أبراهام، فيما تصر إسرائيل على إقامة أي علاقة معها مقابل إقامة دولة فلسطينية مستقلة، بعدما حشدت العالم، ووافقت 157 دولة، ووفق صحيفة وول ستريت جورنا الأمريكية نشرت تقريرا حول التحول القوي في الموقف السعودي تجاه تل أبيب، ما جعل صحيفة رياض ديلي في افتتاحيتها أشارت أينما توجد إسرائيل يوجد الخراب والدمار، واتهمت صحيفة عرب نيوز بان إسرائيل دولة مجرمة حرب غير خاضعة لأي عقاب.

إسرائيل منزعجة من أن السعودية تعتبرها العدو الأول بعدما كانت تعتبر إيران العدو الذي يجب مواجهته، لكن بعد مارس 2023 برعاية بكين تهدئة بين السعودية وإيران، تغيرت البوصلة، ونقلت السعودية المواجهة بينها وبين إيران إلى بين إيران وإسرائيل، وترفض السعودية أي مشاركة في هذه المواجهة باعتبار أن السعودية أبرمت اتفاق تهدئة مع إيران، والسعودية دولة تنطلق من مبادئها الإسلامية والقيم العربية الأصيلة.

بل إن السعودية أوضحت لأمريكا أنها لن تسمح بان تكون أجواءها مرتعا للطيران الأمريكي، لأن السعودية تدرك أن أمريكا والغرب وحتى إسرائيل ليس لديهم مشكلة مع إيران في امتلاك النووي، سواء كان سلميا أو عسكريا، وإلا لما وقع الاتفاق النووي 5+1 عام 2015 مقابل غض الطرف عن نفوذ إيران، عندها تباهى وزير خارجية إيران جواد ظريف بأن إيران تسيطر على أربعة عواصم عربية، لكن خوف الغرب من تصريح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في زيارته لفرنسا، وفي المؤتمر مع الرئيس الفرنسي أوضح الأمير محمد بن سلمان إذا تمكنت إيران من امتلاك النووي فمن اليوم التالي سوف نحصل عليه، وهو ما يؤكده اليوم نائب الرئيس الأمريكي من ان ترك نووي إيران سيجعل السعودية تتجه نحو امتلاك النووي.

فككت السعودية المشروع الغربي الذي سلم المنطقة العربية لإيران، كما في الاتفاق النووي في 2015، فالسعودية هي التي قلبت الطاولة رأسا على عقب، فيما الرسالة السعودية تفكك مشروعا آخر، ولن تسمح السعودية تطويقا لها من قبل أي طرف، لا عبر اليمن والسودان والصومال عبر الفوضى والعبث في المناطق الهشة او عبر شراكات أمنية مع إسرائيل لتهديد عمق الأمن العربي السعودية.

ولعميد الدبلوماسية السعودية الراحل الأمير سعود الفيصل مقولة بعد الاتفاق النووي عام 2015 بين إيران والغرب بأنه اتفاق ولد لكي يموت، كانت نظرة ثاقبة تؤمن بقدرات الدبلوماسية السعودية، وهو مشروع يتكسر على أرض السعودية الصلبة، وتواصل السعودية في تفكيك المشروع في اليمن والصومال والسودان.

ما يحدث اليوم ليس تبدل تحالفات بل سقوط مشاريع، وفشل مغامرات وأوهام، وبقاء السعودية رقما صعبا، ومرجعية لا يمكن تجاوزها في رسم معادلات المنطقة، وقد أشار تقرير صادر عن نيويورك تايمز بفشل ذريع للمخططات في اليمن، يشير صراحة إلى أن القفازات سقطت بعد ان ضاقت الرياض ذرعا بالتحركات المنفردة التي باتت تهدد الاستقرار الإقليمي، بعد فشل هجوم قادته فصائل مدعومة إماراتيا في ديسمبر 2025 للسيطرة على جنوب اليمن، هذا الفشل لم يكن عسكريا فحسب، بل كان سياسيا، أدى لرد فعل سعودي عنيف استعاد زمام المبادرة وانتزع النفوذ من يد الإمارات، كان ذلك خوف الإمارات من فقدان مصالحها في الموانئ والممرات المائية، وهو تخوف يتعارض مع رؤية السعودية التي تهدف إلى التقاء المصالح وتعزيزها وهو تخوف غير مبرر إذا لم يكن له أهداف أخرى غير الاقتصادية.

فكانت هناك رؤية مغايرة للاستقرار في الشرق الأوسط تعتمد على فصائل انفصالية وتأجيج صراعات وهو ما يضعها في صدام مباشر مع الرؤية السعودية التي تسعى لتصفير النزاعات وحماية طرق التجارة، وهي رؤية تلتقي مع آسيا وأوروبا وإفريقيا وأمريكا، لتحويل منطقة الشرق الأوسط إلى أوروبا الجديدة، ولن تسمح السعودية لتعطيل هذه الرؤية، بل إن القوى الكبرى ترى أن الانقسام الاستراتيجي في فرض جداول أعمال لا تتوافق مع مصالح القوى الكبرى في المنطقة.

ما يجري ليس خلافا خليجيا عابرا، ولا خلاف أعمق من مجرد تكتيكات آنية، بل التقارب الإماراتي المتزايد مع إسرائيل بمعزل عن رؤية عربية، تعطي الأولوية لتوسيع النفوذ على حساب تصاعد التوترات في المنطقة تهدد الاستقرار وفي نفس الوقت تقلص مشاريع الرؤية السعودية الشاملة.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى بمكة

            [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment