بقلم: ناجي علي أمهز
ليس المطلوب اليوم حماية طائفة بعينها، فلبنان في جوهره أسمى من اختزاله في فئة أو مذهب؛ المطلوب هو حماية كيان الوطن، وصيانة "أسرار استقلاله" العميقة، والذود عن تلك المعجزة التي أبقت هذا الوطن واقفًا رغم "الزلزال العظيم" الذي يضرب المنطقة، والمقدّر له أن يستمر في ذروة ارتداداته حتى عام 2030.
نحن نعيش اليوم في ظل "هالة كونية" استثنائية. ورغم الاعتداءات الإسرائيلية المرفوضة بكل أشكالها، فإن الاستقرار النسبي الذي ينعم به لبنان مقارنة بجحيم المحيط يمثل إعجازًا حقيقيًا للعقل والصمود اللبناني التاريخي؛ ذلك العقل القادر على ابتكار الحياة من قلب العدم وصناعة التوازن في عين العاصفة.
منذ تموز 2025، ضجّت المنابر بقرع طبول الحرب، وتفنّن المحللون في رسم سيناريوهات "الخراب الوشيك"، وانساق خلفهم بعض الرسميين. لكنني في أيلول من العام نفسه كتبت جازمًا: "لا حرب على لبنان قبل منتصف 2026" ما لم يطرأ تحول إيجابي جذري. وبالثقة نفسها، حسمتُ الجدل حول الصراع الإيراني–الإسرائيلي في آب 2025، مؤكدًا انتهاء احتمالات الحرب المباشرة بينهما حتى عام 2050.
والدليل على عدم قدرة إسرائيل على خوض مواجهة شاملة مع إيران هو التدخل الأميركي المباشر بالحرب اليوم، كما قامت أميركا بالأمس بإنقاذ إسرائيل من الحرب مع إيران عبر التدخل المباشر لضبط الإيقاع. أما التحليلات التي ربطت نشر "ملف إبستين" بالضغط على ترامب للمضي في الحرب، فهي قراءة قاصرة؛ فالضغط والابتزاز يكونان بالتهديد بالنشر لا بالنشر نفسه، إذ بمجرد خروج الفضيحة للعلن تسقط ورقة القوة.
التحول الأميركي تجاه إيران
إن جوهر الحراك الأميركي تجاه طهران ليس "القضاء على الشيعة" كما يتوهم البعض، بل السعي لتحويل إيران من "خصم لدود" إلى "حليف ضروري"، ضمن استراتيجية:
"عندما أحوّل أعدائي إلى أصدقائي، يعني أنني هزمتهم."
إسرائيل تدرك جيدًا أن تحوّل "الشيعة" إلى حلفاء لواشنطن سيعني تقلّص دورها الوظيفي وتهميش قوى إقليمية أخرى. فإذا كانت أميركا قد تخلّت عن الموارنة عام 1976 لصالح سوريا تحت منطق "العدد والتأثير"، فهي لن تتردد اليوم في مقايضة سبعة ملايين إسرائيلي بمئتي مليون شيعي لضمان تدفق الغاز وتحجيم نفوذ روسيا.
لذلك تسعى إسرائيل لعدم قيام حرب أميركية–إيرانية لأنها تدرك الثمن الذي ستدفعه، كما أنها تسعى لإبقاء الخلاف والعداء الشيعي–الأميركي، وفي الوقت نفسه لا تريد للشيعة أن يصبحوا أصحاب قوة ونفوذ إقليمي.
الدور الروسي وتوازنات القوى
واشنطن التي فككت الاتحاد السوفيتي لن تسمح لروسيا بالاستقرار في المتوسط عبر البوابة السورية. وقد نجحت في إغراق موسكو بحرب أوكرانيا، مما دفع الأخيرة لإدراك أن حل أزمتها يبدأ من واشنطن لا أوروبا. لذلك لم تساعد روسيا الشيعة حلفاءها في لبنان، كما ساهمت في إسقاط النظام السوري الحالي مقابل وقف الحرب الأوكرانية وتأمين مصالحها.
ترامب… منفّذ لا صانع
إن ما يقوم به الرئيس ترامب ليس "صنيعة شخصية"؛ فالدول الكبرى لا يقودها أفراد مهما علا شأنهم، بل تحركها قرارات كونية تبدأ من آسيا وتمر بكل القارات، وصولًا إلى "القارة الافتراضية" (عالم الإنترنت).
صراع الحضارات وإعادة رسم الشرق الأوسط
نحن أمام تطبيق عملي لنظرية صامويل هنتنغتون "صراع الحضارات"، حيث يُعاد رسم الشرق الأوسط ككتل إثنية ودينية ضخمة ضمن "ستاتيكو" جديد لا مكان فيه للأقليات الصغيرة (مسيحيين، دروز، علويين). هذه الكتل يسعى العالم اليوم لحمايتها عبر إقامة محميات دولية كي لا تنقرض.
واشنطن لن تتراجع عن ضغطها ما لم يغيّر "المكوّن الشيعي" لغته السياسية، بحذف مفردات "إزالة إسرائيل" والقبول بالانخراط في المنظومة الغربية. وبعد الخذلان العربي والإسلامي للشيعة الذين ضحّوا طويلًا، تعرض أميركا عليهم "النفوذ والتمدد" مقابل تغيير جذري في مفاهيم الجهاد والأحكام الدينية، لمواجهة "الرعب" الغربي من انتشار الإسلام المتشدد من باكستان إلى برلين.
لبنان بين سيناريو 1976 و1982
لبنانيًا، نحن أمام خطر تكرار سيناريو 1976 و1982.
في 1976 دخل السوريون تحت ذريعة "قوات الردع".
وفي 1982 اجتاح الإسرائيليون لبنان بذريعة "طرد الفلسطينيين"، لتكمل سوريا المهمة لاحقًا.
اليوم، أطماع "سوريا الإسلامية" في لبنان لا تختلف عن "سوريا البعثية". الخطر لا يأتي من حرب داخلية—بسبب وعي اللبنانيين—بل من استغلال "الطابور الخامس" لثقل الوجود السوري (نازحين وعمالًا) الذين يفوقون اللبنانيين عددًا، لافتعال أزمة أمنية تبرر تدخلًا سوريًا بطلب شعبي، تقابله إسرائيل باجتياح "يصحح إخفاقاتها"، تمهيدًا لقضم الأراضي وتطبيق نظرية كيسنجر التي رأت في لبنان "خطيئة تاريخية" وجغرافيا زائدة يجب حذفها.
سرّ مقولة كيسنجر: لبنان "وُلد قبل أوانه"
في مطلع القرن العشرين، كان المخطط الدولي يقضي بتقسيم بلاد الشام إلى خمس ولايات طائفية بعد تهجير الفلسطينيين إليها، ليصبحوا مواطنين فيها، وبالتالي تصفية قضيتهم.
لكن العقل السياسي اللبناني آنذاك أفشل المخطط بذكاء عبقري، حين طالب بدولة "رئيسها مسيحي"، ليرسل رسالة للعالم:
"إذا قبل المسلمون برئيس مسيحي، يصبح وجود دولة يهودية أمرًا مقبولًا بالقياس."
لقد وُلد لبنان "قبل أوانه" بذكاء قادته، ليمنع تحول المنطقة إلى كانتونات تخدم المشروع الصهيوني.
من سياسة الدول إلى سياسة الكانتونات
للأسف، تقلّصت السياسة اليوم من أبعادها الدولية إلى "سياسة كانتونات" ضيقة، وهي كيانات لا تملك مقومات الحياة ولا قرار الموت إلا بقرار دولي، كما نشاهد في مأساة غزة.
الخاتمة: لبنان بحاجة إلى "عقول نووية سياسية"
في زمن الصراعات الكبرى، السلاح وحده لا يحمي الأوطان.
مصر، إيران، العراق، وسوريا—بجيوشها ومساحاتها وثرواتها—واجهت اهتزازات وجودية.
ما يحمي لبنان هو ذلك "العقل السياسي" الفذ الذي لم يعد "ديكورًا"، بل أصبح ضرورة وجودية واستشارة إنقاذية يجب أن تُعمم على الوطن كله.
لبنان تتكالب عليه الجغرافيا، ولا يمكن حمايته إلا بـ:
- تاريخه في التعايش
- تمايزه الثقافي الإنساني
- دوره الريادي العالمي
كما كان سابقًا… وكما يجب أن يبقى.











02/10/2026 - 07:25 AM





Comments