حين يُطلب الخلاص من الخارج ويُغتال الداخل

02/09/2026 - 23:07 PM

Atlantic home care

 

 

 رشيد ج. مينا

في ظل ما تعانيه طرابلس وعكّار وسائر المناطق المحرومة من أزمات متراكمة، يصبح طلب الدعم والمساندة من الأشقاء والأصدقاء أمرًا مفهومًا ومشروعًا، لا سيما حين تضيق السبل وتغيب الحلول. غير أنّ الإشكالية لا تكمن في مبدأ الدعم بحدّ ذاته، بل في المكان الذي نضع فيه هذا الطلب ضمن سلّم الأولويات والمسؤوليات.

كثيرًا ما يُوجَّه الخطاب إلى الخارج، وكأنّ الكوارث والمعاناة التي نعيشها نتاج نقص في المساعدات، فيما يتم، عن قصد أو غير قصد، تغييب المسؤول الحقيقي عمّا آلت إليه الأوضاع. فالأزمات التي ضربت لبنان، وطرابلس على وجه الخصوص، ليست وليدة لحظة، ولا نتيجة غياب الدعم العربي أو الدولي، بل هي حصيلة عقود من التسلّط والهيمنة، ونهب منظّم للمال العام، وفساد مستشرٍ، وتعطيل متعمّد لمؤسسات الدولة، وإضعافها لصالح منظومات مصالح سياسية واقتصادية وأمنية.

لقد أُفرغت الدولة من مضمونها ووظيفتها، لا بسبب العجز فقط، بل بفعل قوى حاكمة هيمنت على القرار، وصادرت السلطة، وحوّلتها إلى أداة لخدمة نفوذها وارتباطاتها، الداخلية والخارجية، على حساب المصلحة العامة والإنماء المتوازن. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أنّ عددًا كبيرًا ممّن تعاقبوا على مواقع السلطة والمسؤولية كانوا من أبناء هذه المناطق نفسها، من دون أن ينعكس وجودهم في الحكم إنصافًا أو تنمية أو عدالة اجتماعية، ما يؤكّد أنّ المشكلة ليست في الجغرافيا، بل في منظومة حكم وسلوك سياسي قائم على الزبائنية والاستقواء والتوريث والارتهان.

إنّ الأولوية، قبل أي نداء للخارج، يجب أن تكون في تحمّل السلطة مسؤولياتها الكاملة:

تفكيك منظومة النهب والفساد، إصلاح حقيقي لا شكلي، محاسبة فعلية لا انتقائية، استعادة الدولة لدورها، بسط سلطتها، حصرية السلاح، وبناء خطط تنموية واضحة وعادلة، تضع طرابلس وسائر المناطق المحرومة في صلب مشروع وطني شامل، لا في هامشه.

أما الأشقاء والأصدقاء، فهم لم يقصّروا يومًا، ولن يقصّروا، لكن التجربة أثبتت أن أي دعم في ظل استمرار قوى التسلّط والفساد، وغياب الإرادة السياسية والخطط الشفافة، يتحوّل إلى هدر جديد، ويُستنزف في شبكات المصالح والمحاصصة، بدل أن يصل إلى الناس ويُحدث أثرًا حقيقيًا.

من هنا، فإن إنقاذ طرابلس، كما إنقاذ لبنان، لا يبدأ من الخارج، بل من مواجهة منظومة الهيمنة والنهب، وتصحيح الداخل، واستعادة الدولة من خاطفيها، ومساءلة من حكم وأدار وقرّر على مدى عقود. عندها فقط، يصبح أي دعم خارجي عنصرًا مساعدًا وفاعلًا في التنمية والبناء، لا مسكّنًا مؤقتًا لأزمة جرى تكريسها عمدًا.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment