مجلس السلام… والحرب الصامتة

02/09/2026 - 23:03 PM

Atlantic home care

 

 

عصام أبوبكر

أعلنت الإدارة الأميركية عن تركيبة "مجلس سلام غزة" وتعيين ممثل سامٍ في قطاع غزة، إلى جانب لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة القطاع، وذلك بالتزامن مع بدء المرحلة الثانية من الاتفاق، التي تتضمن الانتقال إلى نزع سلاح حماس، وتشكيل حكومة تكنوقراط، والشروع في إعادة الإعمار. ويبدو واضحًا وجود ارتباط مباشر بين إنشاء مجلس السلام وبين عملية نزع السلاح.

وفي السياق نفسه، تم الاتفاق على فتح معبر رفح وخروج ثلاثة فلسطينيين مرضى واثنين مرافقين مقابل دخول فلسطيني واحد فقط إلى القطاع. كما سيسمح الاحتلال بدخول 50 فلسطينيًا من مصر مقابل خروج 150 بنسبة 3 إلى 1.

وأعلن الجيش الإسرائيلي الانتهاء من بناء ما يسمونه "مجمع التفتيش"، حيث سيتم تفتيش الفلسطينيين الداخلين من مصر إلى غزة وأمتعتهم، وقد يُمنع كثيرون من الدخول. وهذه الخطوة، برأيي، تمثّل البداية الفعلية لعملية تهجير صامت للفلسطينيين.

مجلس السلام: وصاية أميركية بغطاء إداري

المجلس الحالي ليس سوى شكل من أشكال الوصاية الأميركية على غزة، ويمثل مرحلة انتقالية بين التهجير والإعمار. أما الحديث عن حكومة انتقالية وتكنوقراط وحكم فلسطيني، فليس إلا غطاءً لمرحلة انتقالية من حكم حماس إلى حكم أميركي مباشر لقطاع غزة بوصفه منطقة اقتصادية متعددة الجنسيات.

ما يُطرح تحت مسمى «مجلس سلام غزة» لا يعكس مشروع سلام، بل إطارًا إداريًا اقتصاديًا تقوده مجموعة من السياسيين والاقتصاديين والممولين. ولا يبدو أن الهدف هو إعادة إعمار غزة للفلسطينيين، بل إعادة ترتيب القطاع بما يخدم أجندات اقتصادية خارجية. ولو كانت النية الحقيقية ترك غزة لأهلها، لكان الأولى تمكينهم من إعادة بناء حياتهم بدل تركهم في الخيام وعلى أنقاض منازلهم.

الحرب الصامتة: التهجير بلا ضجيج

من وجهة نظري، الحرب لم تنتهِ، بل انتقلت من الحرب العسكرية الظاهرة إلى الحرب الصامتة، وهي عملية تهجير تتم بهدوء بعيدًا عن الإعلام، تحت ذرائع متعددة: معالجة المرضى، الدراسة، الزيارة… لكن الخارج لا يعود. وهذا هو جوهر الحرب: تفريغ غزة بهدوء في أكبر عملية تهجير صامت في التاريخ الحديث.

ما يحدث اليوم لا علاقة له بقوة حماس أو نشاط بعض الفصائل. فغزة سياسيًا وجغرافيًا تم تدميرها، وما تقوم به إسرائيل الآن هو تفكيك آخر ما تبقى من مقومات الحياة تمهيدًا لإخراج السكان بطريقة مدروسة وطوعية وصامتة نحو الخارج.

المنطقة الإنسانية: سجن مفتوح ومرحلة تهجير جماعي

جهّز جيش الاحتلال منطقة تُعرف بخطة "المنطقة الإنسانية"، صرّح بها وزير الدفاع الإسرائيلي، وانتقدها رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت واصفًا إياها بأنها أقرب إلى "معسكرات اعتقال" على غرار معسكرات الاحتلال الإيطالي في ليبيا. وهي شكل من أشكال التطهير العرقي والتهجير القسري.

هذه الخطة لا تعني تصعيدًا عسكريًا فقط، بل دخولًا رسميًا في المرحلة الثانية من خطة التهجير الجماعي عبر حصر الناس في منطقة محددة ومنع المساعدات عن باقي المناطق، لخلق ضغط إنساني ونفسي، ثم تسويق ما يحدث لاحقًا على أنه "هجرة طوعية" بينما هو تهجير قسري يجري في صمت.

تفتيت المجتمع الغزي وتوزيعه عالميًا

على مدى أكثر من عامين، قادت إسرائيل سياسة ممنهجة لإقناع الغزيين والعالم بأنه لا مستقبل داخل القطاع وأن الهجرة هي الحل. لكن التهجير هذه المرة لن يكون كما حدث في 1948 أو 1967. العالم تغيّر، والآليات تغيّرت.

اليوم تُدار العملية بشكل ناعم وصامت تحت غطاء الأزمات الإنسانية والقصف المتقطع، وبآليات مدنية ودولية. الخطة تتركز على تفتيت المجتمع الغزي وتوزيعه عالميًا مع منحهم جنسيات الدول المستقبلة مقابل إسقاط إقامتهم في غزة.

الخطير أن كل هذا يتم تحت عنوان محاربة حماس، بينما الهدف الحقيقي هو تفريغ غزة من أهلها. رفح تُفرّغ، المواصي تُحشد، والحدود المصرية تترقب بصمت مريب.

مصر… ترانزيت لا ملجأ

سيدفع سكان غزة الثمن، لأن إسرائيل مقتنعة بأن جميع الفلسطينيين، حتى من لا يؤيدون حماس، يحملون في داخلهم عداءً متجذرًا ورغبة في الانتقام، وأنهم نشأوا على فكرة حق العودة. لذلك لن تقبل إسرائيل بوجودهم في غزة ولا في سيناء، حتى لا تتشكل بؤر مقاومة جديدة.

وهذا ما يقلق مصر: أن تتحول سيناء إلى قاعدة للهجوم على إسرائيل، فتستخدمها إسرائيل ذريعة لضرب سيناء لاحقًا.

لذلك قد تتحول مصر إلى ممر عبور فقط لتهجير الفلسطينيين إلى دول أخرى. وقد أبدت عدة دول استعدادها لاستقبال الفلسطينيين، وكان آخرها "صومالي لاند" التي اعترفت بها إسرائيل مقابل قبولها تهجير الفلسطينيين إليها.

الحرب الصامتة في ذروتها

هكذا تدير إسرائيل بهدوء أعقد عملية تفريغ سكاني في التاريخ الحديث، تحت أنظار العالم، وفي صمت، وفي أخطر مرحلة من مراحل الحرب، وهي ما يمكن تسميته بـ "الحرب الصامتة".

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment