الجغرافيا بوصفها محدِّدًا للسياسة: قراءة جيوبوليتيكية في السياسة الأميركية في عهد ترامب

02/09/2026 - 19:35 PM

Arab American Target

 

 

 

معتز فخرالدين *

لم تكن السياسة الأميركية في عهد دونالد ترامب خروجًا طارئًا عن تقاليد الدولة العظمى، ولا مجرّد انعكاس لشخصية شعبوية صاخبة كما جرى تبسيطها إعلاميًا. على العكس، شكّلت تلك المرحلة لحظة كاشفة، أُزيح فيها القناع الأخلاقي عن الممارسة الأميركية، وعادت الجغرافيا—بموقعها ومواردها وممراتها—لتفرض نفسها محدِّدًا مباشرًا في صنع القرار السياسي والاستراتيجي.

في عالم يشهد تراجعًا متسارعًا لمؤسسات النظام الدولي، لم تعد القيم المعلنة، كالديمقراطية وحقوق الإنسان، كافية لتفسير السلوك الأميركي. بل باتت هذه القيم تُستدعى انتقائيًا، فيما يُدار الفعل السياسي الفعلي بمنطق القوة والمصلحة. من هنا، تبرز الحاجة إلى العودة إلى أدوات التحليل الجيوبوليتيكي لفهم ما يجري خلف الخطابات، لا ما يُقال فيها.

الجغرافيا والقوة الوطنية: من الموقع إلى القرار

تؤثّر الجغرافيا في تشكيل القوة الوطنية عبر ثلاثة عناصر مترابطة: الموقع، الموارد، والممرات الاستراتيجية. هذه العناصر لا تعمل بصورة منفصلة، بل تتشابك لتنتج أنماطًا محدّدة من السلوك السياسي والعسكري.

الولايات المتحدة، بحكم موقعها الجغرافي المحاط بمحيطين، تمتلك هامش مناورة استثنائيًا يسمح لها بخوض صراعات بعيدة من دون أن تواجه تهديدًا وجوديًا مباشرًا. هذا الامتياز البنيوي لم يتغيّر في عهد ترامب، بل جرى توظيفه بوضوح أكبر، وبخطاب أكثر فجاجة وأقلّ مواربة، يقدّم المصلحة القومية العارية على أي التزام خطابي.

أما الموارد، فلطالما شكّلت جوهر الصراع الدولي. النفط، الغاز، المعادن النادرة، وسلاسل الإمداد الصناعية لم تعد عناصر اقتصادية فحسب، بل تحوّلت إلى أدوات سيادة وضغط. من هنا، يصعب فهم سياسات واشنطن تجاه إيران أو فنزويلا أو حتى الصين، بمعزل عن البعد الجيواقتصادي الذي يحكمها ويحدّد سقوف التصعيد وحدود التراجع.

أدوات التحليل الجيوبوليتيكي: قراءة ما لا يُقال

لفهم السياسة الأميركية في عهد ترامب، لا يكفي تتبّع التصريحات، بل ينبغي تفكيك البُنى التي تتحرّك تحت السطح. هنا تبرز أدوات التحليل الجيوبوليتيكي بوصفها مدخلًا ضروريًا:

أولًا، تحليل الخرائط: توزيع القواعد العسكرية، مناطق العقوبات، وساحات الاشتباك غير الحاسم، تكشف أولويات الأمن القومي أكثر مما تفعل البيانات الرسمية.

ثانيًا، تحليل الموارد: غالبًا ما تكون الدول المستهدفة بالضغط والعقوبات دولًا تمتلك موارد استراتيجية أو مواقع حاكمة في سلاسل الإمداد العالمية، كما في حالتي إيران وفنزويلا.

ثالثًا، تحليل الممرات الاستراتيجية: الصراع لا يدور على الدول بقدر ما يدور على العُقَد. مضيق هرمز، باب المندب، قناة بنما، والقطب الشمالي تحوّلت إلى مسارح صراع صامت، حيث تُختبر توازنات القوة بعيدًا عن المواجهة المباشرة.

رابعًا، تحليل التحالفات: في عهد ترامب، تراجعت التحالفات القائمة على القيم لصالح منطق الصفقة والمصلحة الآنية، في انتقال واضح من الليبرالية الدولية إلى واقعية جيوبوليتيكية خشنة.

غرينلاند: حين تتكلم الجغرافيا بلا أقنعة

تُعدّ غرينلاند مثالًا صارخًا على عودة الجغرافيا إلى قلب القرار الأميركي. حين طرح ترامب فكرة “شراء” الجزيرة، قوبل الأمر بالسخرية، وكأنه نزوة رئيس غير متّزن. غير أن القراءة الجيوبوليتيكية تكشف أن المسألة أبعد من ذلك بكثير.

غرينلاند تقع في قلب الصراع على القطب الشمالي، وتتحكّم بالممرات البحرية الناشئة بفعل ذوبان الجليد، فضلًا عن احتوائها على موارد نادرة حيوية للصناعات التكنولوجية والعسكرية. كما تضمّ منشآت إنذار مبكر وقواعد مرتبطة بمنظومة الردع النووي الأميركي.

ما عبّر عنه ترامب بصيغة فجّة، تفكّر به المؤسسة الأمنية الأميركية منذ سنوات: السيطرة على غرينلاند ليست ترفًا جغرافيًا، بل ضرورة استراتيجية في مواجهة التمدد الصيني والروسي في الشمال.

إيران وفنزويلا: حين تنتصر الجغرافيا على القانون

في الحالتين الإيرانية والفنزويلية، يتجلّى بوضوح كيف يُستخدم القانون الدولي بوصفه أداة انتقائية. إيران التزمت بجزء كبير من الاتفاق النووي وخضعت لآليات التفتيش، لكن ذلك لم يمنع واشنطن من الانسحاب الأحادي، وفرض العقوبات، واللجوء إلى القوة خارج إطار الشرعية الدولية.

أما فنزويلا، فتمثّل نموذجًا أكثر صراحة لارتباط التدخل بالموارد. امتلاكها أكبر احتياطي نفطي في العالم، إلى جانب علاقاتها مع الصين وروسيا، وموقفها الداعم للقضية الفلسطينية، جعلها هدفًا مباشرًا لمحاولات إعادة فرض الهيمنة الأميركية في الفناء الخلفي.

أوروبا وإسرائيل: الأطراف المؤثرة خارج واشنطن

ليس السلوك الأميركي منعزلاً عن المحيط الدولي الذي تتحرك فيه، فالدول الأوروبية وإسرائيل تلعبان دورًا حيويًا في رسم خريطة النفوذ. أوروبا، برغم ميلها إلى الحوار والحلول الدبلوماسية، غالبًا ما تتأثر بتحالفها الاستراتيجي مع واشنطن، فتلتزم بالعقوبات الأميركية أو تتخذ مواقف مترددة في محاولة موازنة مصالحها الاقتصادية والسياسية. أما إسرائيل، بامتلاكها ترسانة نووية ووجودها في قلب الصراع الشرق أوسطي، فتعمل كحليف استراتيجي يسمح للولايات المتحدة بممارسة نفوذ مباشر وغير مباشر على إيران والدول المجاورة، ما يعكس بوضوح كيف تتحرك الولايات المتحدة ضمن شبكة من التحالفات الانتقائية التي تدعم سياستها الجيوبوليتيكية والجيواقتصادية.

خاتمة: ترامب ككاشف لا كمُنشئ

لا يمكن قراءة السياسة الأميركية في عهد ترامب بوصفها شذوذًا تاريخيًا. لقد كانت مرحلة كاشفة أكثر منها تأسيسية، سقطت فيها الزخرفة الليبرالية، وعادت الجغرافيا لتؤدي دور الحَكَم النهائي في الصراع الدولي. الموقع، الموارد، والممرات الاستراتيجية هي التي تحدّد من يُستهدف، ومن يُحمى، ومن يُترك خارج الحسابات.

في عالم يتجه نحو مزيد من التنافس والفوضى، لم يعد السؤال الحقيقي: هل تلتزم الدول بالقانون الدولي؟ بل: من يمتلك الجغرافيا، ومن يملك القدرة على فرض تفسيره.

* باحث وكاتب سياسي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment