طرابلس من ذاكرة النضال إلى واقع الفوضى: وجع مدينة تبحث عمّن ينقذ روحها

02/09/2026 - 14:29 PM

Atlantic home care

 

 

رشيد ج. مينا

التقيت به بعد غياب طويل؛ كان وجهه متجهّمًا وكأن همًّا كبيرًا يثقل صدره. هو ابن مدينتي ورفيق دربي ونضالي. تبادلنا التحية والاطمئنان، ثم سألته: "ما بك يا صديقي؟ يبدو أن أمراً وقع أو مصيبة حلت بك!" نظر إليّ بنظرة غاضبة، كأنه يلعن الزمن والتاريخ معًا. كررت السؤال فرحًا بلقائه بعد سنوات طال فيها البعد والسفر والانشغال.

تنهد وقال: "ماذا حلّ بنا؟ بشعبنا؟ بقيمنا؟ بوطننا؟"

ثم تابع: "اليوم ذهبت إلى طرابلس… مدينة العشق والجمال… المدينة التي وُلدنا فيها، عشنا طفولتنا وشبابنا، وانخرطنا في ساحات النضال من أجل القضايا الوطنية والقومية. كنا مع عمالها وعلمائها ونخبتها، ومع فلسطين والجزائر وكل قضايا الإنسان. كانت طرابلس عائلة واحدة، نتقاسم الأفراح كما نتقاسم الأتراح."

استغربت انفعاله وسألته: "ولمَ كل هذا الاستحضار للماضي الآن؟"

قال: "لأن ما شهدته اليوم هناك جرحني بعمق… ليس مجرد تفصيل بسيط كما قد يراه البعض، بل مؤشر على انهيار منظومة القيم في المدينة."

روى قائلاً: ذهب مع اثنين من أولاده إلى طرابلس، قاصدًا شارع الحرية، وهناك شارع ضيق يؤدي إلى قصر آل كرامي. ركن سيارته عند بداية الشارع، فصرخ شاب من بعيد: "أستاذ… هون كراج!"

استغرب، فالشّارع عام وليس ملكًا خاصًا. اقترب الشاب ومعه آخر وقالا إن المكان "كراج" تابع لهما. لم يكن الأمر مجرد طلب بدل وقوف، بل أسلوب استقواء وفرض أمر واقع، وكأن المدينة تحولت إلى أملاك شخصية تُدار بمنطق الشبيحة لا بمنطق الدولة.

ثم قال لي: "أنا لست ضد وجود شركات نظامية لركن السيارات تعمل بترخيص وتعود إيراداتها للبلدية والمصلحة العامة، لكن ما أغضبني هو الفوضى، وغياب القانون، وتحويل الشباب إلى شبيحة صغار لأن هناك شبيحة كبارًا يحكمون المدينة من فوق القانون. هؤلاء الشباب ضحية، وليسوا المشكلة الأساسية."

أضاف بحزن أكبر: "لم يكن غضبي من الموقف بحد ذاته، ولا لأنني لم أدفع مالاً، بل لأنني رأيت انهيار ما تبقى من صورة طرابلس التي عرفناها… ورأيت ذلك أمام أولادي. رأيت شبابًا عاطلين عن العمل، ضائعين بين التسرّب المدرسي والبطالة والمخدرات وغياب القدوة. رأيت مدينة تُترك فريسة للفوضى ومعها مجتمعٌ يُستنزف."

وتابع متألمًا: "المسؤولية لا تقع على أولئك الشبان فقط، بل على من حكم المدينة ولم يحسن إدارتها، على نوابها وقياداتها، على البلديات المتعاقبة المحاصرة بالعجز والإهمال، وعلى الدولة التي غابت أو غُيّبت، وعلى مجتمع مدني اتَّسع شكلاً وضاع مضمونًا."

ثم أنهى حديثه قائلاً: "طرابلس اليوم ليست طرابلس التي عرفناها… المدينة تحتاج إلى استنهاض طاقاتها وضمائر أبنائها الصادقين؛ من مثقفين، ورجال أعمال، وعلماء، وناشطين حقيقيين، لتعود مدينة العلم والنضال، لا مدينة الفلتان والضياع. طرابلس تستحق أن تعود دارًا للكرامة والاقتصاد والثقافة والعيش الكريم… لا ساحة فوضى وإحباط."

ما رواه صديقي لم يكن مجرد حادث عابر أو موقف انفعالي يزول، بل كان جرس إنذار يكشف حجم الانحطاط الاجتماعي والقيمي حين تغيب الدولة وتُترك المدن لمصيرها. فطرابلس التي كبرت بنا وكبرنا بها، لا تستحق أن تُختزل اليوم في صورة فوضى أو شباب ضائع أو شارع مُستباح.

إن المدينة التي أنجبت العلماء والقادة والمفكرين والشهداء، قادرة أن تنهض مجددًا إذا تجرأنا على الاعتراف بالخلل، وتجاوزنا الصمت، ورفعنا الصوت من أجل إعادة بناء الوعي قبل الحجر. فطرابلس ليست حيّزًا جغرافيًا، بل قيمة ورسالة وتاريخ وحلم مستمر، ولولا الأمل لَما بقي من النضال ما يروى أو يخبر.

وعلينا أن ندرك أن المدن لا تموت، إنما يموت أهل العزيمة فيها… فلنكن ممن يعيدون إليها الحياة، لا ممن يكتبون لها المراثي.

 
 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment