من واشنطن إلى بيروت: رسائل سياسية في مهمة دبلوماسية صعبة

02/09/2026 - 14:21 PM

Arab American Target

 

رشيد ج. مينا

يجري الحديث في لبنان على نطاق واسع عن السفير الأميركي الجديد ميشال عيسى، بين من يصفه بـ"المندوب السامي"، ومن يعتبره "خشبة الخلاص"، وآخرين يرونه رجل مال واقتصاد يحظى بدعم كبير من إدارة ترامب، ومكلّفًا بمهام تتجاوز الدور الدبلوماسي التقليدي، ليكون جزءًا من مشروع سياسي–اقتصادي يعيد لبنان إلى "السكة الأميركية" ويمهّد لمسار "السلام الإبراهيمي".

غير أنّ هذه القراءات، سواء جاءت من باب التهويل والكيدية أو من باب الاستقواء والرهان المبالغ فيه، لا تعبّر بالضرورة عن حقيقة الدور ولا عن أبعاده الواقعية. فقد أثبتت التجارب أنّ الإدارات الأميركية المتعاقبة تعاملت مع لبنان منذ خمسينيات القرن الماضي، مرورًا بالحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي والوجود السوري والوصايات المتعددة، وصولًا إلى مرحلة الانهيار، وفق مقاربات متبدّلة نجح بعضها وفشل الكثير منها.

لبنان، رغم صغر مساحته، لم يكن يومًا ساحة سهلة للسيطرة، بل مسرحًا دائمًا لتعارض مصالح القوى الدولية والإقليمية، ولعبة توازنات دقيقة لم تستطع أي قوة خارجية حسمها بالكامل.

وكما أن للولايات المتحدة حضورًا سياسيًا واقتصاديًا مباشرًا في لبنان، فإن لإيران أيضًا دورًا نافذًا عبر قوى محلية حليفة، ما جعل لبنان ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ بين واشنطن وطهران. وقد أفرز هذا الواقع توازنات داخلية حساسة أدّت أحيانًا إلى تعطيل القرارات الوطنية، وتحويل خيارات الدولة إلى رهينة الاصطفافات والمحاور بدل أن تكون مبنية على مصلحة الشعب والدولة والمؤسسات.

إنّ السيادة لا تتجزأ، وأي نفوذ خارجي — أميركيًا كان أم إيرانيًا أم غيرهما — يرفضه اللبنانيون إن كان على حساب استقلال القرار الوطني ووحدة الدولة. وتاريخ اللبنانيين، المقيمين والمنتشرين، أثبت أنهم لا يخضعون للإملاءات ولا ينصاعون للهيمنة مهما تبدلت الظروف.

والحديث هنا لا يستهدف السفير ميشال عيسى شخصيًا، فهو دبلوماسي يقوم بمهمته في الدولة التي يمثّلها، وله جذور لبنانية كآلاف اللبنانيين المنتشرين حول العالم، بينما تمثّل مسيرته اليوم الولايات المتحدة الأميركية، وليس لبنان الذي يحمل منه الإرث والاسم فقط.

اليوم، وفي ظل واقع إقليمي شديد التعقيد، يبقى العنوان الأساس وقف العدوان الإسرائيلي، تنفيذ القرار 1701، وانسحاب إسرائيل دون قيد أو شرط. نحن مع علاقات لبنانية–أميركية طبيعية وصداقة متوازنة، لكن دون وصاية أو فرض شروط سياسية أو اقتصادية تمس سيادة الدولة وقرارها الحر.

وعلى اللبنانيين، قبل أي طرف خارجي، واجب ترتيب بيتهم الداخلي عبر توحيد الرؤية الوطنية، إعادة بناء مؤسسات الدولة، تثبيت دور الجيش اللبناني كقوة شرعية وحيدة للدفاع عن الوطن، والنهوض بالإعمار والتنمية بعيدًا عن منطق المحاور. ويبقى الدعم العربي، ولا سيما من المملكة العربية السعودية، عنصرًا أساسيًا في استعادة التوازن والقدرة على النهوض، ضمن منطق الشراكة لا التبعية.

لا هيمنة… لا وصاية… لا استدعاء للخارج: نسالم من يسالمنا… ونعادي من يعادينا. أهلا بالسفير الأميركي ميشال عيسى في لبنان.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment