موجة متنامية من المهاجرين الأمريكيين للبرتغال مع تحفيزات مغرية!
لشبونة - ألفة السلامي
فاز مرشح يسار الوسط الاشتراكي، أنطونيو جوزيه سيغورو، في انتخابات الرئاسة بالبرتغال أمس الأحد، 8 فبراير 2026، بعد تحقيقه فوزاً كاسحاً في الجولة الثانية. وحصل سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي، على 66.7% من الأصوات. بينما حصل أندريه فينتورا، زعيم حزب شيغا اليميني المتطرف، على 33.3% فقط من الأصوات. يعد سيغورو أول رئيس اشتراكي للبرتغال منذ عقدين، وسيخلف الرئيس الحالي مارسيلو ريبيلو دي سوزا المنتهية ولايته في شهر مارس المقبل.
انحياز غالبية الناخبين للمرشح الاشتراكي
بهذه النتيجة يكون اليسار قد صمد في وجه "مد اليمين المتطرف" الذي يمثله فينتورا، وقد اعتبر العديد من المراقبين هنا في لشبونة النتيجة بأنها ضربة قوية لمعسكر اليمين المتطرف، حيث اتحدت القوى التقليدية (بما فيها الشخصيات المحافظة) لدعم سيغورو "اليساري" ومنع فينتورا من الوصول إلى قصر بيليم الرئاسي.
مع ذلك اعتبر بعض المراقبين إنه رغم خسارة فينتورا لكنه حقق حصة قياسية من الأصوات لليمين المتطرف، مما يعكس تنامي نفوذه السياسي في البلاد مقارنة بالانتخابات السابقة والجولة الأولى التي حصد فيها 24% من الأصوات.
وكانت نسبة مشاركة الناخبين في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية البرتغالية مفاجأة سارة للتيار اليساري ويمين الوسط واختيارا واضحا للاستقرار ومواصلة مشروعات تحقق النمو والتقدم وتحسين مستوى المعيشة والخدمات المقدمة للغالبية العظمى من السكان. بلغت المشاركة في التصويت حوالي50.1% وبالتالي لم يتأثر إقبال الناخبين على التصويت على عكس ما كان متوقعا بسبب سلسلة العواصف والفيضانات التي ضربت البرتغال مؤخراً واستدعت تأجيل التصويت في بعض البلديات الأكثر تضررا. وبالتالي كانت نسبة المشاركة هذه المرة متقاربة مع مثيلتها في الجولة الأولى والتي بلغت 52.4%.
وفوز المرشح الاشتراكي سيغورو بالمنصب، رغم كونه شرفياً إلى حد كبير، لكنه يمنحه سلطات حيوية مثل حق النقض (الفيتو) على القوانين والقدرة على حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة. وهناك شبه إجماع من المراقبين على كون الانتخابات الرئاسية بالأمس هي بمثابة اختبار حقيقي للاستقرار السياسي في البلاد. ويعتبر حسم الناخبين البرتغاليين لجولة إعادة "تاريخية" –لأنها تجرى لأول مرة منذ أربعين عاما-انحيازا واضحا للمرشح اليساري، ورفضا في المقابل لليمين المتطرف الصاعدة أسهمه بقوة خلال السنوات الأخيرة، خاصة تلك الأحزاب التي لها ارتباط وثيق بنظيرتها الأوروبية والتي كانت تنتظر بفارغ الصبر صعود اليمين المتطرف في البرتغال إلى السلطة ليزداد نفوذهم داخل مؤسسات الحكم الأوروبية مما يعزز صفوفهم خاصة داخل البرلمان الأوروبي وأجهزته.
الفيضانات واختبار كفاءة الحكومة
طغت الفيضانات على زخم الانتخابات الرئاسية، حيث عاشت البلاد في حالة طوارئ طيلة الأيام السابقة للانتخابات، وقد واجهت أعتى العواصف المتلاحقة في تاريخها الحديث، حتى أن الفيضانات التي شهدتها خلال الأيام الماضية لم يُنظر إليها من الناخبين وأحزاب المعارضة كمجرد كارثة طبيعية، بل تحولت إلى "اختبار كفاءة" للحكومة وورقة ضغط في يد المعارضة خلال الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية.
لوجستياً، عولت المعارضة اليمينية على تداعيات الفيضانات خاصة في بعض المناطق الأكثر تضررا، مثل ألكاسير دو سال وأكثر من ستين منطقة أخرى، للحصول على أغلب أصوات الناخبين الغاضبين هناك؛ عادةً تخدم أوقات الأزمات المرشحين الذين يمتلكون قاعدة جماهيرية "مؤدلجة" ومتطرفة. أما نفسيا، فالناخب في وقت الأزمات يبحث عن "الأمان" و"السرعة". وإذا شعر المواطن بالخوف أو الإهمال، فإنه يميل لمعاقبة السلطة الحالية. حتى الساعات الأخيرة قبل التصويت، كانت استطلاعات الرأي تشير إلى تقارب شديد جداً مع أفضلية طفيفة لسيغورو في المدن الكبرى، بينما حقق فينتورا اكتساحاً في المناطق الريفية والمتضررة. لكن العامل الحاسم في نظر العديد من المراقبين الذي أعاد الأمور لنصابها لصالح سيغورو خلال التصويت أمس تمثل في "الاستجابة السريعة" للحكومة تجاه المتضررين" من العواصف، حيث نجحت الحكومة في إظهار سيطرة ميدانية واضحة على آثار العاصفة "مارتا" خلال الساعات السابقة للتصويت، لذلك مال المترددون نحو "الاستقرار" وأعطوا أصواتهم إلى الفريق القريب والمتحالف مع الحكومة الحالية وهو فريق سيغورو ومنعوا بذلك "زلزالاً سياسياً" وهو اليمين المتطرف الذي كان متوقعا أن تتحول الكفة إليه ووصوله لرئاسة البرتغال لو كان العجز الحكومي قد استمر في مواجهة الكارثة؛ مع العلم أن اليمين المتطرف كان يتمنى أن يصل إلى السلطة التي خاصمته منذ سقوط الديكتاتورية عام 1974.
اقتصاد في نمو مستمر رغم الشكاوى
رغم كل ما قد تسمعه من تذمر وشكاوى حول غلاء المعيشة خلال "الدردشة اللطيفة" مع مواطنين أثناء ركوب المواصلات العامة أو في المقهى وأنت تشرب القهوة، إلا أن الاقتصاد البرتغالي حقق نموا بنسبة تقارب الـ 2% وأشادت به كافة الدوائر الأوروبية والعالمية، حيث يتجاوز ضعف معدل نمو منطقة اليورو، رغم التحديات المتعلقة بارتفاع تكاليف الإسكان والإيجارات التي زادت بنسبة 16%. وبلغ إجمالي الناتج المحلي بالأسعار الجارية حوالي 289.4 مليار يورو (337.94 مليار دولار) بنهاية عام 2025. وحقق قطاع السياحة أرقاماً قياسية، حيث بلغت الإيرادات حوالي 27.7 مليار يورو عام 2024، وارتفعت إلى 29.4 مليار يورو بنهاية عام 2025 بعدد سياح فاق 30 مليون زائر أي ثلاثة أضعاف عدد السكان.
بالمناسبة، في أوج العواصف والفيضانات تزدحم شوارع العاصمة لشبونة ومناطقها الأثرية بالسياح من كل أنحاء العالم وهي ظاهرة تراها بالعين المجردة. كما تكتظ المطاعم والملاهي الليلية التي يقف أمامها طوابير السياح انتظارا لخلو مكان شاغر للجلوس. وتشير تقديرات المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC) إلى أن المساهمة الإجمالية (المباشرة وغير المباشرة) للسياحة في الاقتصاد البرتغالي بلغت حوالي 21.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، مع ارتفاعها إلى 22% العام الماضي 2025، أي ما يعادل ما يعادل 62.7 مليار يورو). وبلغ نصيب المواطن البرتغالي من الناتج المحلي الإجمالي 31.415 دولاراً عام 2025، بزيادة قدرها 8.8% عن 2024 الذي سجل 28.887 دولاراً. كما يعكس هذا المستوى تحسناً في جودة المعيشة مقارنة بمتوسط الاتحاد الأوروبي.
مساهمة المهاجرين في التقدم
تُظهر الإحصاءات الأخيرة لعامي 2024 و2025 الاعتماد الكبير للاقتصاد البرتغالي على القوى العاملة الشابة وخاصة المهاجرة، لا سيما في قطاعات مثل السياحة والخدمات والبناء. بلغ إجمالي السكان العاملين في البرتغال حوالي 5.18 مليون شخص عام 2025، كما تستضيف البرتغال أكثر من 1.5 مليون مهاجر يعملون في كافة المجالات، مما يمثل حوالي 15% من إجمالي سكان البلاد، وهي أعلى نسبة من المقيمين الأجانب في تاريخ البرتغال. وبفضلهم سجلت البرتغال معدل نمو سكاني إيجابي بلغ حوالي 1.03% عام 2024، حيث تعاني من عجز وشيخوخة السكان بسبب قلة المواليد مقارنة بالوفيات. ووضعت الحكومة البرتغالية العديد من الحوافز لجذب العقول المهاجرة والكفاءات من كافة أنحاء العالم حتى يساهموا في تحقيق المزيد من التطور والرفاهية.
وتتصدر الجنسية البرازيلية قائمة المهاجرين بلا منازع بسبب الروابط القديمة بين السكان منذ التاريخ الاستعماري، حيث يقترب عدد البرازيليين من نصف مليون، وهو ما يمثل حوالي 31.4% من إجمالي الأجانب في البلاد. تليها في الترتيب جنسيات آسيوية، مثل الهندية والبنغالية (98.616)، والأفريقية (92.348). كما يستقر عدد كبير من مواطني الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة في البرتغال، وفي المقدمة بريطانيا بحوالي 50 ألفاً وإيطاليا بحوالي 40 ألفاً، وفرنسا بحوالي 29 ألفاً، وألمانيا وإسبانيا بمجموع يتراوح بين 20-25 ألفاً لكل منهما. أما الجنسية الأكبر عددا فهي الأوكرانية بحوالي 80 مقيما بعد الزيادة الكبيرة خلال السنتين الماضيتين بسبب الظروف السياسية.
36% زيادة في هجرة الأمريكيين للبرتغال
الملفت للنظر أن هجرة الأمريكيين شهدت قفزة ووصفتها التقارير بأنها "موجة متنامية". وقد تحدثت مع عدد من الأمريكيين الذين صادفتهم في الفندق وفي عدد من المطاعم بقلب العاصمة لشبونة، وعرفت منهم أنهم قدموا من عدة ولايات أمريكية للانتقال للعيش في البرتغال، وبعضهم حصل بالفعل على الإقامة الذهبية (D7 (، معللين ذلك بأن تكاليف المعيشة تقل هنا بنسبة 35.4% مقارنة بالولايات المتحدة، إضافة إلى الأمن والأمان حيث تُصنف البرتغال ضمن أكثر 10 دول أماناً في العالم (المركز السابع في مؤشر السلام العالمي 2024)، مما يجذب العائلات الهاربة من الاستقطاب السياسي الحاد في الولايات المتحدة حاليا وبحثاً عن بيئة أكثر هدوءاً، ناهيك عن وجود رعاية صحية ذات جودة عالية وتكلفة زهيدة أقل كثيرا مقارنة بالنظام الصحي الأمريكي.
كما تحدثت مع أمريكيين أشارا إلى أسباب أخرى دفعتهم للقدوم مثل التسهيلات الضريبية على إنشاء المشروعات وبرامج أخرى مثل "تأشيرة الرحالة الرقميين" (Digital Nomad Visa). وذكرت سيدة من كاليفورنيا أنها حصلت مع زوجها على تأشيرة إقامة للمتقاعدين، موضحة أنها تركت أربعة أبناء لهما يعيشون في ولايات أمريكية مختلفة وجاءت تبحث عن حياة أفضل بتكلفة أقل. وقال لي مواطن أمريكي آخر في الثلاثينات من عمره إنه جاء مع جاره وشريكه وينويان الاستثمار في شراء البيوت القديمة نسبيا والتي تتسم بطابع معماري وثقافي مميز وإصلاحها وتوظيفها في الإيجارات لغرض السياحة على طريقة "Airbnb". وبفضل البيئة الجاذبة للاستثمار والسياحة والإقامة، قفز عدد الأمريكيين المقيمين من 14.129 في 2023 إلى 19.258 شخصاً في أواخر 2024، بزيادة قدرها 36% في عام واحد. ويتوقع استمرار موجة قدوم الأمريكيين إلى البرتغال وقد يتضاعف العدد خلال العام الجاري، خاصة مع نشاط بعض الشركات في الترويج للإقامات الذهبية والتي تتصادف مع رغبة بعض الأمريكيين في البحث عن فرص أفضل للمعيشة خارج وطنهم.











02/09/2026 - 14:07 PM





Comments