حبيب البستاني *
تتوالى الكوارث على اللبنانيين من الجنوب إلى الشمال، حتى باتت المآسي تتراكم فوق بعضها كما قال المتنبي: «تكسّرت النصال على النصال». فمدينة الفيحاء لم تكد تنتهي من دفن ضحايا انهيار مبنى القبة في أواخر كانون الثاني، حتى ابتُليت بانهيار مبنيين جديدين في باب التبانة.
ومع كل كارثة، تسارع الدولة إلى إصدار بيانات التعازي والاستنكار، وكأن ما يحدث في طرابلس كان مفاجئاً وغير متوقّع، رغم التحذيرات المتكررة من نقابة المهندسين والجهات المعنية. فهناك أكثر من 600 مبنى مهدّد بالسقوط، ومع ذلك لم تتحرك الدولة المنشغلة بـ"مشاغلها" لإنقاذ أرواح الناس.
وحين وقعت الكارثة، هرع المسؤولون بوجوه متجهّمة إلى مكان الانهيار. فالموسم موسم انتخابات، والمآتم جزء من عدة الشغل، والجمهور "الغاشي والماشي" سيصفّق مقابل حفنة دولارات even لو كانت مغمّسة بدماء الأبرياء. فالزمن كفيل بمحو الأخطاء، و"الله يرحم الموتى".
وعود الجنوبيين… سمك في البحر
حظيت جولة رئيس الحكومة في الجنوب بترحيب واسع، خصوصاً أنه يحمل وعوداً بإصلاح ما تضرر من البنى التحتية. فالبنك الدولي خصص 250 مليون دولار، وأضيف إليها 70 مليوناً من فرنسا، ما يوحي بوجود تمويل أولي للبدء بإعادة الإعمار.
لكن التكلفة الفعلية تتجاوز مليار دولار، والرئيس يؤكد أنه سيبدأ العمل "والباقي على الله". تماماً كما وعد سابقاً بتأمين 100 ألف دولار لكل مودع على أربع سنوات—وعدٌ يكلف 20 مليار دولار ستدفعها المصارف التي تعلن أصلاً عدم قدرتها على الدفع.
هكذا تبدو قرارات الحكومة كمن يعطي "سمكاً في البحر"، وتعمل بمنطق "الرزقة على الله".
حكومة أغنياء… اختصاصها الشحادة
جاءت حكومة الرئيس سلام محمّلة بالاختصاصيين والمتمولين، ما أثار آمال اللبنانيين. لكن تبيّن أن هؤلاء يجيدون إدارة أموالهم الخاصة، لا إدارة دولة منهارة.
الحكومة تشخّص المرض بدقة، لكنها تعجز عن تقديم العلاج. فهي تقرّ بحقوق العسكريين والموظفين، ثم تعلن أنها لا تملك الأموال. وتضع موازنة بعجز صفر… وتقديمات صفر. كالبخيل الذي يحرم أولاده من أساسيات الحياة، لكنه يتباهى بحسابه المصرفي.
إدارة الدولة ليست إدارة شركة، وعلى الحكومة أن تتحمّل مسؤولياتها.
عجز صفر… وإصلاحات صفر
يكرر وزراء الحكومة أنهم لا يملكون عصاً سحرية، فلا يستطيعون حل أزمة الأبنية المهددة في طرابلس، ولا الكهرباء، ولا المياه، ولا الأجور. لكن حكومة لا تستطيع إيجاد مداخيل ليست حكومة قابلة للحياة.
والمداخيل ليست مستحيلة، وهنا بعض الأسئلة البديهية:
-
أين قانون عصري لضريبة الدخل؟
-
ماذا عن إعادة هيكلة المصارف وخفض عددها؟
-
لماذا لا تُستوفى الرسوم العادلة على الأملاك البحرية والعامة؟
-
لماذا لا يُعاد هيكلة القطاع العام بدل التوظيف العشوائي؟
-
لماذا لا يُسرَّع القضاء كي لا تبقى الملفات في الجوارير؟
-
أين الخطة المكتوبة للمياه والكهرباء؟
"مرتا مرتا تهتمين بشؤون كثيرة والمطلوب واحد". وإن كنتم عاجزين، فليأتِ غيركم… وكفى.











02/09/2026 - 08:06 AM





Comments