رشيد ج. مينا
لبنان اليوم يعيش حالًا من الانفصام السياسي والتناقضات الصارخة، منذ بداية العهد الجديد وتشكيل الحكومة التي حظيت يومها بدعم عربي ودولي واسع، ما جعل اللبنانيين يستبشرون خيرًا ويظنون أنّ ذلك ربما يكون بداية الخروج من النفق الذي دخلته البلاد منذ خمس عقود وأكثر.
إلا أنّ الإجراءات والقرارات والحراك الذي شهدته المرحلة لم يغيّر الكثير في الواقع القائم، وبقيت الأسئلة الجوهرية بلا أجوبة.
كيف يمكن الحديث عن إنقاذ وتغيير، وعن مؤتمرات اقتصادية وتجارية وتكنولوجية، ومعارض صناعية، ودعوات مفتوحة للاستثمار، في وقت لم يشهد لبنان أي تحرك جدي وفعّال لمحاسبة من سرق المال العام ونهب الدولة وتسبّب بانهيار مؤسساتها؟
كيف يمكن الإقناع بوجود مشروع إصلاحي فيما لا يزال المتورطون أنفسهم ممسكين بمفاصل الدولة ومتحكمين بمسارها؟
أما بسط سلطة الدولة وتحقيق السيادة، فلم يتجاوز أيضًا إطار الشعارات والخطب المتكررة، فيما الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه مستمران بلا رادع، ولا اعتبار لمواقف عربية أو دولية، وحتى الولايات المتحدة لا تقوم بأي دور فاعل لوقف العدوان، بل تظهر تماهيًا وتغطية له تحت ذريعة السلاح والعجز عن نزعه أو حصره بيد القوى الشرعية.
وفي الوقت ذاته، لا تُتخذ أي خطوات فعلية لتمكين الجيش اللبناني وتسليحه بما يتيح له القيام بمهامه الوطنية كما يجب.
كيف يمكن الدعوة إلى الاستثمار، وإطلاق ورش اقتصادية ومالية، والحديث عن إعادة الإعمار، بينما العدوان الإسرائيلي قائم، والدور الأميركي غائب، والضمانات الأمنية معدومة؟
الجميع يدرك أن مسألة سلاح حزب الله ليست قرارًا لبنانيًا بالكامل، بل ترتبط بشكل مباشر بالحسابات الإقليمية بين إيران وأميركا.
كما يدرك الجميع أن الإنقاذ والإصلاح الداخلي يتطلبان، إلى جانب الدعم العربي والدولي، ضغطًا فعّالًا يؤدي إلى وقف العدوان الإسرائيلي، وانسحابه، وبسط الدولة لسلطتها بشكل كامل، ودعم مؤسساتها العسكرية دعمًا حقيقيًا، ووضع خطة إصلاحية جدية تُحدث تغييرًا فعليًا في بنية السلطة.
أما الإصرار على إجراء الانتخابات تحت عنوان “تطبيق الدستور” وفق القانون النافذ، فليس إلا ذرًا للرماد في العيون، لأن هذا القانون فُصّل أصلًا على قياس القوى الحاكمة، ولن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الواقع نفسه واستمرار المسار في النفق ذاته.
لبنان اليوم عالق بين استثمار سياسي منفصم عن الواقع و عدوان إسرائيلي مستمر، ويقف عند مفترق بالغ الخطورة، حيث لا الإنقاذ يتحقق بالشعارات، ولا الإصلاح يولد من داخل منظومة تحمي ذاتها، ولا السيادة تُستعاد فيما الاحتلال يواصل عدوانه والسلاح خارج سلطة الدولة يُدار بقرار إقليمي. إن الحقيقة التي لم يعد يمكن تجاهلها هي أنّ أي مشروع للنهوض لن يرى النور ما لم يُرفق بإرادة لبنانية صادقة تتجاوز الحسابات الطائفية والمصالح الضيقة، وبضغط عربي ودولي جدي يفرض وقف العدوان الإسرائيلي، والانسحاب الكامل، وتمكين الجيش ليكون القوة الشرعية الوحيدة على الأرض.
إن الخروج من النفق ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب قرارًا شجاعًا يعيد للدولة دورها وللقانون مكانته، ويضع لبنان على طريق استعادة مؤسساته وسيادته، ليعود وطنًا يستحقّه أبناؤه، لا ساحة صراع وصندوق بريد لصراعات الآخرين.











02/08/2026 - 11:11 AM





Comments