زينة منصور
في سياق الجغرافيا السياسية المعاصرة للشرق الأوسط، تتجلى العلاقات التاريخية بين الدولة العثمانية والدولة الأموية كحجر زاوية في تشكيل ما بات يُعرف بـ "الهلال السني". هذا المفهوم، في جوهره، يمثل نظيرًا تاريخيًا لمشاريع جيوسياسية حديثة الطموح، مثل مبادرة الحزام والطريق الصينية، والتي تواجه بدورها تحديات استراتيجية عدة من قوى دولية تسعى لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية.
من هذا المنظور، يُنظر إلى "الحزام السني"، أو "الهلال السني"الناتج عن التحالف التاريخي العثماني الأموي بين ما اصطلح على تسميته تاريخياً بنحالف «بني عثمان» مع «بني أمية»، كطرف مقابل لظاهرة "الهلال الشيعي". يعكس هذا التباين جملة من التفاعلات المعقدة بأبعادها، تشمل الإنقسامات المذهبية بين المكونين السني والشيعي، والتنافس التاريخي بين الفرس والعرب على النفوذ في الخليج العربي «من ناحية العرب» -الفارسي «من ناحية الفرس»، فضلًا عن الصراعات الجيوسياسية الأوسع التي تشارك فيها أطراف إقليمية ودولية، مما يزيد من تعقيد المشهد.
لقد أظهرت نتائج هذه النزاعات المتواصلة بين الكتلتين السنية والشيعية عن تعقيدات تاريخية وجيوسياسية، يمكن تحليل تداعياتها البنيوية من منظور نقدي يسلط الضوء على آثارها الوخيمة على المنطقة:
- صراع الشيعة والسنة: لم يتمكن هذا الصراع، المتغلغل في النسيج السياسي والاجتماعي لدول المنطقة، من تحقيق حسم لصالح أي طرف على حساب الآخر. بل أسفر عن استنزاف للموارد البشرية والمادية، وانقسامات إجتماعية وسياسية داخل الدول وعبر حدودها. وأسهم في تعزيز التدخلات الخارجية وعدم الإستقرار الإقليمي، مخلفاً تداعيات إنسانية واقتصادية عميقة.
- صراع الفرس والعرب: يمثل هذا التنافس التاريخي والثقافي والجيوسياسي قوة دافعة في الشرق الأوسط. لم يحرز أي طرف هيمنة شاملة أو انتصارًا حاسمًا، بل تطور ليأخذ أشكالًا تتراوح بين التنافس على النفوذ الإقليمي والحروب بالوكالة. وقد أدى ذلك إلى تعقيد العلاقات بين الدول، وعرقلة جهود التكامل الإقليمي، وأثر على تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية بما يخدم غالباً مصالح أطراف خارجية.
- صراع المسلمين واليهود: يندرج ضمن سياق النزاع العربي الإسرائيلي، ولم يفضِ إلى حل سلمي مستدام حتى اللحظة. لقد تسبب في نزوح للسكان، وتغيير في ديموغرافية دول عدة وتصعيد دوري للعنف، مما أثر على الاستقرار الإقليمي والعلاقات الدولية. وتلقي استمرارية هذا الصراع بظلالها على كافة جهود السلام في المنطقة، ويعيق التنمية البشرية والاقتصادية اللازمة لتقدم شعوبها.
تشير هذه الصراعات إلى أن الحلول المستدامة لا يمكن أن تتحقق ضمن الأطر التاريخية الضيقة بالهلال السني مقابل الهلال الشيعي. بل تتطلب مقاربة ترتكز على مبدأ المساواة، الحرية، العدالة، واحترام القانون الدولي، بالإضافة إلى تسوية سياسية سلمية تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الشعوب والمجتمعات المتأثرة.
رؤية لمستقبل الشرق الأوسط
إن استمرارية أنماط الصراع التاريخية في الشرق الأوسط، وإن كانت تأخذ أشكالًا جديدة ومختلفة، تشير إلى أن المنطقة تقف على مفترق طرق حرج. فالمستقبل لن يكون مجرد استنساخ للماضي ما لم تتبنَ الأطراف الفاعلة رؤى جديدة تتجاوز منطق التنافس الصفري. إن الإدراك لتكاليف الصراع، والفرص الضائعة للنمو والازدهار، قد يدفع المنطقة نحو تحولات حاسمة باتت ضرورية وملحة.
ولاستشراف مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، تبرز ثلاثة حلول محورية تتطلب إرادة سياسية حقيقية:
1. تحديث هيكل الحوكمة والحقوق المتساوية والهوية المصانة: لمعالجة الانقسامات الدينية والعرقية الداخلية التي تغذي الصراعات وتجعل المجتمعات عرضة للتلاعب الخارجي، يجب على الدول تحديث طرق الحوكمة والانتقال من النظم المركزية إلى اللامركزية. هذا التوجه يجب أن يحترم المشاركة الواسعة ويضمن الحقوق المتساوية لجميع المكونات، بعيدًا عن أي تمييز أو إقصاء ضمن الإعتراف بالتنوع . يتطلب ذلك إصلاحات دستورية وقانونية وثقافية واجتماعية تهدف إلى احترام هويات ثقافية حقيقية تتجاوز الهويات المركبة الجوفاء، وتسمح بالتعبير السلمي عن التنوع بدلاً من قمعه أو استخدامه كأداة للصراع.
2. إعادة تعريف الأمن الإقليمي ليشمل التنمية البشرية والاقتصادية: يجب أن يتحول مفهوم الأمن من التركيز العسكري على الردع والقوة إلى الأمن البشري والاقتصادي والاجتماعي. من خلال الاستثمار المستدام في التعليم، والرعاية الصحية الشاملة، والبنية التحتية الحديثة، وتوفير فرص العمل العادلة والكريمة للشباب بهدف نزع فتيل العديد من التوترات الداخلية والخارجية. السلام المستدام لا يتحقق فقط بإنهاء الحروب، بل يتحقق بوجود العدالة الاجتماعية، والمساواة الدستورية، والفرص الإقتصادية العادلة التي تمنح الأفراد والمجتمعات حصة حقيقية وملموسة في مستقبل مزدهر.
3. بناء آليات إقليمية للتعاون والحوار: بدلًا من التركيز على الاصطفافات الجيوسياسية والتحالفات الانتقائية، يجب إنشاء منتديات ومؤسسات إقليمية تهدف إلى تعزيز الحوار المباشر والشفاف بين جميع الدول، بما في ذلك القوى المتنافسة تقليدياً. هذه الآليات يمكن أن تركز على المصالح المشتركة في مجالات حيوية مثل الأمن المائي، التجارة الحرة، التكنولوجيا، مكافحة الإرهاب، وتحديات تغير المناخ، مما يخلق شبكة من الاعتماد المتبادل ويقلل فرص التصعيد العسكري.











02/08/2026 - 09:27 AM





Comments