المَجنُون

02/08/2026 - 02:24 AM

A

 

 
حينَ يُخْتارُ الحُبُّ بلا ضَماناتٍ، يُدْعَى ذلكَ جُنُونًا … ومِنْ هذا الجُنُونِ يُولَدُ الحَقُّ.
في زَمَنٍ كانَ فيهِ الانتِماءُ الآمِنُ أَسْبَقَ مِنَ البَحْثِ،
وكانَتِ الأَسْئِلَةُ تُخِيفُ أَكْثَرَ مِمّا تُنْقِذُ، عادَ إِلَيْهِ، لا لِيُعَدِّلَ كَلِماتِهِ، بل لِيَخْتَبِرَ صِدْقَها:
هَلْ ما زالَ الجُنُونُ هو أَنْ نَخْتارَ الحَقَّ؟
أَمْ أَنَّ الجُنُونَ الحَقيقِيَّ هو أَنْ نَعيشَ بلا مَعْنًى؟
تَرَدَّدَ في ذاكِرَتِهِ صُراخُ كَهَنَةِ البَعْلِ، وهُم يَرْقُصونَ حَوْلَ المُحْرَقَةِ، طالِبينَ جَوابًا لا يَأْتي.
أَصْنامٌ مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ،
أَفْواهٌ بلا كَلامٍ،
وَعُيُونٌ بلا بَصَرٍ،
وَآذانٌ بلا سَمْعٍ…
تُشْبِهُ صانِعيها.
أَمّا هو، ذاكَ الَّذي لُقِّبَ بالمَجْنُونِ، فكانَ كُلَّ صَباحٍ يَخْرُجُ مِنْ غُرْبَتِهِ لِيَسْتَقْبِلَ شُروقَ يَوْمٍ جَديدٍ،
مُرَدِّدًا صَلاةً تَعَلَّمَها يَوْمَ كانَ عاقِلًا ومَشْهودًا لَهُ بِعَقْلِهِ.
صَلاةٌ صارَتْ طَريقَ حَياةٍ حينَ اختارَ أَنْ يَسْكُنَ الهامِشَ ويُتَّهَمَ بالجُنُونِ:
ما زِلْتُ في عَيْنَيْكَ أُسافِرُ وأَخْشَعُ،
حُبُّكَ في قَلْبي يَفيضُ ويَنْبَعُ،
فَمِنْكَ بَداياتي، ولَكَ نِهايَتي.
أَلْقى شِباكَهُ بَعيدًا عَنْ شاطِئِ مُجْتَمَعِهِ، مُجْتَمَعٍ لَفَظَهُ لِأَنَّهُ اخْتَلَفَ عَنْهُ في الوِجْهَةِ وَالأَوْلَوِيَّةِ. خَلَعَ القِناعَ.
لَمْ يَسْتَطِعِ الِانْسِجامَ مَعَ عالَمٍ مادِّيٍّ غَشّاشٍ مُتَقَنِّعٍ، فَحَوَّلَ مَوْتَهُ إِلى حَياةٍ، وحَياتَهُ إِلى حُرِّيَّةٍ.
كانَ شاهِدًا لِلْحَقِّ في زَمَنٍ اعْتادَ الباطِلَ، لِأَنَّ قِيمَةَ الحَياةِ لا تَنْكَشِفُ إِلّا عِنْدَ الفِراقِ.
عاشَ نَسْرًا في شُخْروبِهِ،
حَمَلَهُ حُلْمُهُ إِلى وَطَنِ الحُرِّيَّةِ.
ضَعْفُهُ أَنْجَبَ قُوَّةً،
وجُنُونُهُ تَحَوَّلَ رَصانَةً،
وحُبُّهُ أَثْمَرَ حَياةً.
نَظَرَ إِلى عالَمِهِ القَديمِ كَمَنْ يَنْظُرُ إِلى يَنابيعَ
لَمْ تَرْوِ عَطَشَهُ، وَخُبْزٍ لَمْ يُشْبِعْ جوعَهُ.
تَرَكَ عاداتِهِ وأَفْكارَهُ خَلْفَهُ، مُعْتَبِرًا إِيّاها نُفايةً
في سَبيلِ اقْتِناءِ حَياةٍ مُتَجَدِّدَةٍ.
أَسْكَرَتْهُ الخَمْرَةُ الجَديدَةُ، تَدَحْرَجَ الحَجَرُ، وشَعَّ النُّورُ. فَانْطَلَقَ نَحْوَ الحُرِّيَّةِ.
لَمْ يَطْلُبْ فَهْمَ الآخَرينَ،
ولَمْ يَنْتَظِرْ إِذْنَ مُجْتَمَعٍ لَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ يُقَدِّرُ الحُرِّيَّةَ.
وَجَدَ قَلْبَهُ مَلْعَبًا لِلْحَقيقَةِ، وَعَيْنَهُ نافِذَةً إِلى السَّماءِ،
وحُبَّهُ مِرْساةً تَحْمِلُهُ فَوْقَ كُلِّ عاصِفَةٍ.
في صَمْتِ الغُربَةِ، وفي ضَوْءِ الفَجْرِ، تَجَلَّتِ الحُرِّيَّةُ:
لا في الهُروبِ، بل في القُدْرَةِ على أَنْ يَكونَ الإِنْسانُ على حَقيقَتِهِ … وأَنْ يَعيشَ حُبَّهُ،مَهْما كانَ يُدْعَى: مَجْنُونًا لا فَرْقَ.
المُهِمُّ أَنْ يَحْيا الإِنْسانُ
مَجْنُونًا… بِالحُبِّ.
 
خَرْبَشاتُ طِفْل - بقلم: الإِبْنِ الضّالِّ… إِذا تاب
 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment