الهوية الوطنية… بين الأصل العربي وتشويه الواقع

02/07/2026 - 14:35 PM

A

 

 رشيد ج. مينا

تُعرَّف الهوية بأنها مجموعة السمات والخصائص التي تُميز فردًا أو جماعة عن غيرها، ولها أبعاد شخصية ووطنية وثقافية. وإذا أردنا إسقاط هذا المفهوم على لبنان، فالمنطق يفترض أن تكون الهوية الوطنية واضحة، متماسكة، ومعبّرة عن التاريخ والجغرافيا والثقافة المشتركة.

لكن مراجعة الواقع وما جرى خلال العقود الماضية تكشف لنا صورة مختلفة تمامًا.

ففي لبنان، ظهرت اتجاهات حاولت فصل الهوية اللبنانية عن بعدها العربي، فرفع بعضهم شعار “الأصول الفينيقية” بمعزل عن العروبة، فيما قدّم آخرون فكرة “لبنان الرسالة” وفق رؤيتهم الخاصة، وتحول شعار “سويسرا الشرق” إلى مدخل لدعوات فدرالية تتجاوز الواقع الاجتماعي والسياسي. وفي المقابل، بالغ فريق آخر في الطرح القومي والالتزام بقضايا الأمة بطريقة لم تراعِ قدرة لبنان وخصوصية وضعه، فيما لجأت قوى دينية وطائفية إلى العنف لفرض رؤيتها.

صحيح أن الدستور بعد الطائف حسم مسألة عروبة لبنان وانتمائه وثبّت دوره ضمن محيطه، كما نصّ على إصلاحات سياسية مهمّة، إلا أن ما نُفذ منها لا يزال محدودًا. والسبب في ذلك أن الولاءات للخارج عطّلت كل محاولة لتكريس لبنان وطنًا لا ساحة صراع.

إن الدرس الأكبر من خمسين سنة من التجارب المريرة هو أن الهوية الوطنية لا تُبنى بالشعارات بل بالانتماء والولاء الوطني. لبنان يحتاج اليوم إلى مراجعة نقدية شاملة، وإلى رؤية مستقبلية تتعامل بواقعية مع التحديات:

الهجمة الصهيونية التوسعية، المسار الأميركي المبني على “السلام الإبراهيمي”، وتحوّل المنطقة نحو ترتيبات جديدة قد تُقصي الدول الضعيفة أو الممزقة.

لبنان بلد غني بتنوعه الديني، لكنه عربي الهوية والانتماء والثقافة، وهذا أمر لا لبس فيه ولا مجال لتشويهه. لبنان رسالة حقيقية في التعايش، لكنه أيضًا جزء أصيل من الحضارة العربية، وثقافته متجذرة فيها مهما تعددت اتجاهاته. وعليه، فإن اللبنانيين مدعوون اليوم إلى:

تنفيذ ما جاء في وثيقة الوفاق الوطني.

إطلاق حوار وطني لتطوير ما يلزم دون المسّ بالجوهر.

التأكيد أن لبنان واحد بحدوده المعترف بها دوليًا، لا مجموعة “لبنانات” كما يريد بعضهم.

ترسيخ الولاء للبنان أولًا، فوق أي ارتباط خارجي.

وضع مصلحة الوطن فوق مصالح الطوائف والأحزاب والمحاور.

بناء الوحدة الشعبية والسياسية كشرط للتحرير والسيادة واستعادة الدولة.

إقامة دولة العدالة والمساواة والحرية والديمقراطية الحقيقية، لا الديمقراطية التوافقية التي تُكرّس المحاصصة بدل إلغائها.

إنّ مستقبل لبنان لا يُبنى على هويات مفتعلة ولا على مشاريع تتجاوز حقيقة انتمائه، ولا على روايات تُراد منها تبرير الانعزال أو الفدرلة أو التفلت من العمق العربي. فلبنان لم يكن يومًا جزيرة معزولة، بل جزءًا حيًّا من الأمة العربية بثقافتها وتاريخها وحضورها الإنساني، وبعمقها الذي شكّل سندًا له في المحن والازدهار معًا.

وما دامت الطائفية السياسية تتحكم بمسارات الدولة، وما دامت الولاءات موزعة بين عواصم الخارج، سيظل لبنان ساحة لا وطنًا. أما حين يقرر اللبنانيون أن الهوية العربية الجامعة هي أساس استقرارهم، وأن الولاء الوطني فوق الولاءات الصغيرة، وأن الدولة فوق الطوائف، عندها فقط يبدأ الطريق نحو التحرير والسيادة وبناء دولة عادلة وقادرة.

فالخلاص ليس في اختراع هويات جديدة، ولا في الاحتماء بالطوائف، بل في العودة إلى هوية لبنان الحقيقية: عربية الانتماء، وطنية الولاء، إنسانية الرسالة. وعند هذا الأساس، تُفتح أبواب المستقبل، وتُستعاد الدولة… دولة لكل أبنائها، لا ساحة تحتكم لصراعات الآخرين.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment