أرقام الناخبين تهزّ التوازنات… والوجود المسيحي أمام منعطف مصير

02/07/2026 - 10:20 AM

Bt adv

 

 

 كتب الاستاذ فادي مطر

 

برسم القوات اللبنانية والكتائب اللبنانية، وكل الاحزاب المسيحية، (حزب الوطنيين الاحرار اعلن موقفه).

برسم مزوّري عبارة البابا يوحنا بولس الثاني "لبنان رسالة حرية وتعددية للعالم الاجمع"، ومستعملي المزوّر عبر الاكتفاء منها بكلمتي "لبنان الرسالة"

في الوقائع

قبل ثلاثة اشهر من موعد الانتخابات اللبنانية، اصدرت وزارة الداخلية بالأمس لائحة بالناخبين اللبنانيين مع ذكر مذاهبهم، يتبين منها ان الناخبين يتوزعون بالمجمل مثالثة بين مجموع المسيحيين، والسنة والشيعة، مع نسبة غير كبيرة للدروز.

استنادا الى هذه اللائحة بدأت المطالبة بكسر المناصفة والانتقال الى المثالثة.

في التحليل

١- الارقام المنشورة هي ارقام منطقية، وفي مطلق

الأحوال هي ارقام صادرة عن المرجع الرسمي الصالح.

٢- للائحة مؤشر واضح رغم ان أرقام الاحصاء الوحيد، احصاء سنة ١٩٣٢، لم تصدر يومها، ولم يجر اي احصاء رسمي بعدها.

٣- اصدار هذه اللائحة اليوم سيتكرر غداة كل انتخابات نيابية مستقبلية، مع ابراز واضح لاتجاه تنازلي لأعداد المسيحيين مقابل ازدياد تصاعدي لأعداد المسلمين، وبالتالي سيأتي يوم تصبح فيه النسب المطالَب بها نسباً متحركة وفقا لنسب الناخبين، فاليوم مناصقة، وغداً مثالثة، وبعده مرابعة ، فخامسة الى ان يصبح التمثيل المسيحي تمثيلاً رمزياً، من باب بعض الأعراف التهذيبية.

٤- إن هذه الارقام تعود الى الناخبين اللبنانيين، فوق سن الواحدة والعشرين، ومن المتوقع انه لو كان سن الاقتراع في الثامنة عشر، لكان الفارق اكبر.

٥- في دولة مركزية، تتوزع فيها السلطات بموجب الدستور وفقا للتركيبة الطائفية والمذهبية لمواطنيها، وفي دولة احزابها الاساسية والمسيطرة هي أحزاب طائفية، تكون المطالبة بتوزع السلطات وفقا لنسب توزع المواطنين مطالبة محقّة وطبيعية، فضلاً عن كون السياسة هي عملية يقوم بها فاعلون حقيقيون وليس افتراضيون.

٦- إن الخلل المتفاقم في توزع النسب السكانية بين الطوائف، يعود الى عدة اسباب منها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي والتاريخي، ولكن يبقى اهمها مرسوم التجنيس الذي فُرض كغنيمة حرب، وجنس مئات الالوف، فضلا عن عرقلة اي طعن قانوني به.

٧- النمط المتسارع في الاختلال الديموغرافي سيؤدي الى تلاشي الدور المسيحي الفاعل خلال فترة وجيزة لا تتعدى عقداً او عقدين من السنين.

٨- إن تلاشي الدور المسيحي وبالاخص الماروني سيهدد حكماً الكيان اللبناني في وجوده، ، فالوطن اللبناني المستقل كان حلم الموارنة التاريخي على مدى اكثر من الف وخمسمىة عام، في حين ان الجماعات اللبنانية الاخرى تتمتع وتتفاخر بروابط عضوية تتخطى الحدود اللبنانية، وهي روبط تكاد تكون توحيدية او "طائعة"، بطابع ديني ومذهبي، وتشمل الامور السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والتربوية، وفضلا عن كل ذلك هي روابط متناقضة.

في الحلول الممكنة

الحلول النظرية للمجتمعات المركبّة طائفيا ومذهبياً والتي عرفت صراعات بين مكوناتها ليست كثيرة وتتوزع على فكرتين:

١- العلمنة الشاملة الكاملة، ودونها عوائق مبدئية محقّة وعوائق واقعية.

العوائق المبدئية المحقة هي في كون العلمنة تتعارض مع الدين الاسلامي الذي يعتبر المسلمين في "أمة واحدة" ويسعى "لدولة اسلامية واحدة"، ويتضمن تشريعا دينيا كاملا لحياة الفرد والمجتمع انطلاقا من المفاهيم الدينية الاسلامية.

أما العوائق الواقعية فتكمن في كون هذه المنطقة من العالم الممتدة من المغرب الى افغانستان مرورا بإسرائيل وايران وسوريا والعراق هي بعيدة عن جدا عن التوجهات العلمانية.

اما الافكار الاخرى التي يمكن ادراجها في هذا الاطار كإلغاء الطائفية السياسية والمواطنة وما شابهها، فهي بمثابة الكلام الحق اوغير الحق، لكن الذي يراد به باطل حتماً، عبر السعي لإنهاء الدور المسيحي تحت عناوين وشعارات غير طائفية.

٢- فدرالية مفصلة على الواقع اللبناني، ، اول من تحدث عنها علناً كان الزعيم الدرزي كمال جنبلاط في كتابه هذه قضيتي، عندما قال "ان لبنان وجد ليكون بلد الكانتونات"، وتوسع بها بعده المحامي موسى برنس من النواحي القانونية والدستورية، والجبهة اللبنانية في مجلة الفصول التي كانت تصدرها دورياً.

الفدرالية ايضا دونها عوائق، ولكن عوائقها ليست مبدئية، الا اذا كان احد يعتقد ان في عقيدته المطلقة السيطرة على الآخر المختلف عنه.

اول العوائق امام الفدرالية هو وضع الاقليات في مناطق الاكثرية، ويمكن التخفيف من حدته الى حد كبير عبر الوحدات الادارية الصغيرة ما امكن ، عبر نظام شبيه بنظام المناطق الخاصة الذي عرفته اكثر من منطقة لبنانية سابقاً، كدير القمر ومحيطها خلال نظام القائمقاميتين والمتصرفية، ومنطقة الهرمل خلال نظام المتصرفية،

او عبر اعطاء الحرية لبعض المناطق بالالتحاق اداريا بالوحدة الادارية الاكبر المتجانسة معها، كما كان الحال مع بلدة القلمون الكورانية جغرافيا، والطرابلسية ادارياً منذ عهد المتصرفية الى اليوم، مع التسليم ان ايجاد حل مثالي بنسبة عشرة على عشرة هو امر مستحيل، وان اي عملية مقارنة يجب ان تنطلق من المقارنة مع الواقع الحالي وما سيؤدي اليه في حال عدم التغيير.

العوائق الاخرى امام الفدرالية هي عوائق سياسية داخلية ، كون المركزية السياسية اللبنانية تسمح للمتزعمين على الصعيد المناطقي والطائفي بالاكتفاء بتوجيه الاتهامات للآخرين من الطوائف والمذاهب الاخرى، دون تحميل انفسهم اية مسؤولية، والاستفادة من الخطوط الحمر الطائفية التي تحميهم انطلاقاً من عدم تعريض حقوق الطائفة للخطر.

الفدرالية وحدها ستضع هؤلاء امام مسؤولياتهم المباشرة في التنمية والاصلاح ومحاربة الفساد وتقدم المجتمعات.

كما ان هناك عائق آخر يندرج تحت هذا العنوان، ولكنه عائق مسيحي داخلي يكمن في رغبة بعض المؤسسة الكنسية بالتخلي عن الفكرة الانجيلية القاضية بتثمير الوزنات و عن مقررات المجمع اللبناني الذي انعقد عام ١٧٣٦ ، وبرفضها نظرية الخير العام التي ارسى اسسها القديس الفيلسوف توما الأكويني، والتي أضحَت من يومها الفلسفة الاجتماعية المعتمدة لدى الكنيسة.

و هذا العائق بالإمكان مواجهته بالتفكير بماذا سيتبقى لهذا البعض بعد انتهاء الدور المسيحي الفاعل، واضمحلال التواجد المسبحي في لبنان بالهجرة وقلة الانجاب، واستبدال تربية الاولاد بتربية الكلاب لمن بقيت له بعض الامكانات، بسبب مص دم وعمر وعرق المسيحيين على ابواب صناديق المدارس والمستشفيات التي تعتبر جزءاً من الخير العام المسيحي.

في الخلاصة

الوضع مصيري ولا يحتمل التسويف ولا التجارب المكرّرة بعد اكثر من مئة عام من التجربة الفاشلة. فإما تطرح الافكار العلاجية بكل منطق ومسؤولية للبحث عن صيغ انقاذية، وإما اكثروا من شراء الكنائس في الخارج ووسعوا مراكز ومقار الاحزاب في الخارج لتستوعب المزيد من المناصرين، وركزوا على تسهيل تصويت المنتشرين، حتى نهاجر او نموت هنا عن آخرنا، وبعدها، وكما يعلم الجميع، لن يصنع الحنين والبكاء على الاطلال لا سياسة ولا مستقبلا، ولن يعود التاريخ الى الوراء.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment