الاردن - كتب عماد معشر
خلق الله الإنسان على صورته كمثاله، ولذلك فالإنسان خُلق حرّاً. الجميع يطالب بالحرية، فهي حق لكل واحد منا، وهناك الكثير من القوانين التي تضمن حرية الناس في الفرد وفي المجتمع وفي التعامل مع الآخرين، سواء على مستوى الحقوق المدنية أو السياسية أو غير ذلك. لكن تحقّق حرية الشخص تنتهي عند حقوق الآخرين، فالإنسان لا يسعى لنيل الحرية لذاته فقط، بل للآخرين أيضاً. وإذا حاول شخص أو مؤسسة أو جماعة أن تنال من حرية الناس في مجتمعهم فهي بمثابة وجهة القسوة للمحافظة على النظام.
الحريات عبر العصور تطوّرت؛ فبعضهم يطالبون بنظام مدني وعادات وتقاليد صعبة ومتوارثة، وبعضهم يطالبون بحرية وجهه ومعتقداته ونظامه والقوانين المدنية. وعندما تنتهي حياة الإنسان يفقد وجوده في هذه المجتمعات وتنتهي كل حقوقه وواجباته، وكأن شيئاً لم يكن. بالنسبة للبعض تكون هذه النهاية وكل ما مضى ضاع عبثاً.
نحن نعيش في زمن تتداول فيه ثقافتنا الحريات والحقوق والواجبات، ويبقى الجدال قائماً لأن الكثيرين يطالبون بحرية معتقداتهم في مجتمع لا يقبلها. هذه الحرية الأرضية نسبية وقد تبدو مطلقة ومثالية، لكنها في كثير من الأحيان بلا فائدة، وتتحول إلى وهم وعدم رضا وضياع، فنشعر أننا مقيّدون بسلاسل. ثم نبحث عن الحرية ونريد تغييراً وتبديلًا، ونسأل: لماذا يا سيدي الرحوم؟ ثم نبدأ الفشل ونبدأ القيود ونبدأ البحث عن شيء آخر، ونراقب الفرق بين ما هو صواب وما هو وهم.
وهنا يخاطب السيد المسيح كل فرد منا:
يا بني، تذكّر أني الطريق والحق والحياة.
إن المسيح هو الطريق، وأنت تبحث عن الحرية في الخارج فقط.
أدعوك أن تبحث في داخلك عن فائق قوتك. الكثيرون يتحدثون عن الحب ووجوههم تطلب شيئاً آخر، لأنهم ملكٌ لخوفهم من رؤاهم. يتحدثون عن الحب بعقولهم المحدودة متجاهلين النعمة التي تعمل في قلوبهم. والكثيرون يطالبون بالحرية لأجل شخصياتهم النفسية، فيسودون بحجة الانتقاد، وتصبح الحرية عندهم تمرداً تسيطر عليه الشتائم وتعاليم الخطر، بينما الحرية الحقيقية هي طريق إليك.
الحرية ليست عبثية، بل نعمة من الله. أما العبث فهو وضع الآخرين في قيود، وهذا سبب في ضياع طريقنا نحو السماء. الذكرى هي التي تفتح وتتابع، وهي نعمة الحب والرحمة، ولكن البعض فقدوا نعمة الميلاد والنور، لأن الظلام يشرق فقط عندما يغيب نور الرب.
هناك الكثير مما يقال عن الضلال والوهم الذي سيطر على الناس في بحثهم عن الحرية، ولكني أختصر الطريق وأقول:
تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم.
ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا.
لماذا لا تؤمنون وأنا أنظركم بحرارة؟ لماذا لا تؤمنون وأنا أطلب حبكم؟ تذكّروا أني أرحم ليس في هذه الدنيا فقط بل في الآخرة أيضاً.
وعندما تحب وتُفْضي من أجل الآخرين:
– عندما تقرأ الإنجيل.
– عند حضورك القداس الإلهي وتناول الأسرار.
– عندما تمتنع عن إدانة الآخرين.
– عندما تصبح حياتك مثالاً صالحاً لمن حولك.
– عندما تزرع فرحك في الآخرين وتبحث عن نعمة الله فيهم.
إن الحب مثال للحرية، فهو يحرر الروح من قيود الخطيئة، ويحرر الذات من الأنا، ويرفع الإنسان فوق قيود العالم نحو السعادة والمحبة والسلام.
كيف نعيش هذا الطريق؟
– أن تكون فعلاً مع الله، فالمعرفة ليست معادلة بل مسيرة.
– التوبة والاعتراف.
– حضور القداس الإلهي.
– تناول جسد الرب.
– التسبيحة اليومية.
– قراءة الإنجيل.
الصلاة وأعمال الرحمة والمسامحة هي خطوات فعّالة للخروج من قيود العالم الذي أهوى المادة والشهوة والفساد. فالحب ليس بيع إنسانيتك، بل عيشها بمحبة صادقة تدفعك نحو المسيح الذي أحب وأعطى وبذل.
أعطوا ملكوت الله أولاً والباقي يُزاد لكم.
وتذكّروا أن الحرية الحقيقية ذهب لا يصدأ، وأن تكون أنت الصليب الذي لا يصدأ.
كونوا أنقياء في حبكم ونيّتكم ومشاركتكم، حتى في الجرح والشك.
وكما قال القديس شريل: نحن نعيش في عالم تتطاير فيه طرق الشر، والبعض يسير في الظلام ويجرّ غيره معه. طريق النور هي طريق سيد الكون، فلا تسمعوا لمن يوهمكم أنه مع المسيح وهو يقودكم بعيداً عنه. هذا زمن التوبة وتنقية القلب والفكر، فالإنسان لا يستطيع السير تحت النور وهو يرفضه. طريق النور مصدره الرب، والذين اختاروا الظلمة نذكرهم في صلواتنا.
الطريق ضيّق والوقت قليل، والحياة واسعة بالقرب من يسوع المسيح. أنتم ضيوف على الأرض، فأعطوا صاحب البيت حقه وعيشوا بسلام.
وأختم بهذه الصلاة من رسائل السيد المسيح في الصوفانية:
يا يسوع الحبيب،
هب لي أن أريح قلبك فوق كل شيء، فوق كل خليقة، فوق جميع ملائكتك،
فوق كل سيرافيم وكروبيم، فوق كل مجد وكرامة، فوق جميع جيش السماء.
أنت وحدك العلي والمجيد والقدير والصالح فوق كل شيء.
اقبلني أن أرتفع عن ذاتي وفكري ونفسي، وامنحني الحرية،
فبدونك لا يتم سروري، وبدونك حياتي فارغة.
حينئذٍ آتي لأقول: ماذا أقول، لأنك دعوتني.











02/07/2026 - 08:44 AM





Comments