رشيد ج. مينا
كثيرًا ما يُردَّد شعار «الغد لنا»، وهو شعار يحمل في ظاهره معاني الأمل، والتفاؤل، والإصرار على تجاوز الصعاب وبناء مستقبل أفضل. يُستخدم في السياقات السياسية والشخصية كعبارة تعبّر عن الثقة بالنفس والقوة والعزيمة، كما ورد في خطابات سياسية وشعارات نضالية، بل واتّخذ عنوانًا لقصائد تتغنّى بالمستقبل المشرق والأماني.
غير أن التوقّف مليًا عند هذه العبارة يكشف وجهًا آخر لا يقلّ خطورة عن حسن نواياها الظاهرة. فـ«الغد لنا» قد تتحوّل، في كثير من السياقات، إلى دعوة ضمنية لتحمّل واقعٍ مملوء بالمعاناة والظلم والقهر والحرمان، وبذل الغالي والرخيص على أمل غدٍ قد لا نُدركه أصلًا. فالغد في علم الغيب، لا يعلمه إلا الله، خالق الوجود ومسيّر الكون، وإرادته فوق كل الإرادات والتوقّعات.
المشكلة لا تكمن في الأمل بحدّ ذاته، بل في ترداد الشعار من دون أي أسس بنائية في الحاضر. عندها يصبح «الغد لنا» نوعًا من الهروب والتخدير، يُستخدم لتكريس الظلم والاستبداد والهيمنة، وتسخير الفقراء والمحرومين لخدمة متسلّطي الحاضر ونفعييه، وتعطيل فئات اجتماعية أخرى عن دورها الطبيعي وإبقائها خارج دائرة الفعل والتأثير.
إنها ثقافة الاستلاب:
سرقة الحاضر بوعود المستقبل،
تسفيه كل الأفكار والمبادرات الهادفة للنهوض المجتمعي،
تهشيم سِيَر المناضلين والمبدعين،
وبثّ روح اليأس والإحباط، مع تكريس ثقافة الانتظار والتضحية بأجيال الحاضر وحقوقهم، على أمل «الغد لنا»، من دون أي تجهيز حقيقي لهذا الغد الذي يُرسم براقًا في عقول الناس وأحلام الشباب.
إن شعار «الغد لنا» لا يمكن أن يكون صادقًا أو أخلاقيًا، إلا إذا استند إلى فكر حر، ومشروع واضح، وعمل جاد يعالج مشكلات الحاضر، ويبني أسس العبور إلى المستقبل المأمول. نعم، الغد في علم الغيب، لكن ذلك لا يبرّر التضحية بالحاضر، ولا سحق حياة الناس وحقوقهم وكرامتهم، ولا تحويلهم إلى وقود في الصراعات السلطوية والمصلحية، أو إلى أرقام وسلعة في سياسات الرأسمالية المتوحّشة والأنظمة الحاكمة الساعية إلى البقاء والتوريث.
إن «الغد لنا» لا يُصنَع بالشعارات، ولا يُورَّث بالوعود، بل يُبنى ببناء إنساني سليم، وتربية وطنية وحدوية تشاركية، وحرية سياسية حقيقية، وضمانٍ للعيش الكريم، وديمقراطية سليمة في ظل دولة صاحبة قرار وطني، وسيادة، وقانون، وقضاء مستقل.
عندها فقط، وبعد أن يُصان الحاضر ويُحترم الإنسان، يمكن أن نقول بثقة: الغد لنا.











02/06/2026 - 19:41 PM





Comments