تشوّه العمل السياسي في زمن الفوضى الرقمية ...

02/06/2026 - 14:26 PM

A

 

 

 رشيد ج. مينا

مع استكمال الحديث وسبر أغوار الواقع السياسي في لبنان، يبرز السؤال الجوهري عمّا إذا كان ما زال هناك فعلًا مساحة لعمل سياسي بالمعنى الحقيقي. فالغياب شبه الكامل للمشاريع الوطنية والقومية، وتشتّت الأفكار، وتقهقر الإيديولوجيات، وسقوط أنظمة على محكّ التجربة السلطوية، كلّها عوامل كرّست غياب مفهوم الدولة والمواطنة، ورسّخت مناهج الفوضى والتفلّت.

ومع معايشة هذا الواقع المفروض منذ عقود، جاء التطوّر التكنولوجي المتسارع، وسهولة استخدام وسائل التواصل والمنصّات الرقمية، ليُعمّق هذا التشوّه بدل أن يُسهم في تصحيحه. فتحوّل الفضاء العام إلى ساحة مفتوحة للنقد الهدّام، وتشويه السمعة، وتحريف الأفكار، وتطبيع الشتيمة، وفبركة الأخبار والمعلومات، وصولًا إلى قلب المعايير: حيث يُصوَّر الخونة أبطالًا، ويُستهدف أصحاب المواقف الوطنية الصادقة.

في هذا المناخ، جرى تفريغ العمل السياسي من مضمونه الفكري والثقافي، وتعميم مفهوم مشوّه عنه، يُقدَّم فيه كوسيلة للنفوذ والثروة، وممرّ للفساد والسرقة، وتشريع لكل ما هو شائن، وتطبيع العقول مع ما يناقض القيم والمبادئ والحقيقة.

إن استعادة المفهوم الصحيح للعمل السياسي لا تبدأ بالشعارات، بل بمعالجة النتائج التي فرضتها سياسات وسلوكيات القوى السلطوية المتحكّمة بالبلاد والعباد، والمتماهية مع الخارج، بما خدم – بشكل مباشر أو غير مباشر – الأطماع الصهيونية التوسعية، وأجهض كل محاولات التغيير الداخلي وبناء الدولة والمؤسسات الوطنية.

فالسياسة، في جوهرها، ليست إدارة أزمات ولا صراع نفوذ، بل فعل وطني يهدف إلى بناء الإنسان، بدءًا من التعليم، وترسيخ ثقافة وطنية وحدوية، وخلق أطر سياسية وفكرية وثقافية حقيقية، لا هياكل فارغة ولا مطيّة للوصول إلى السلطة والمناصب على حساب عرق الناس ومصالحهم ومصلحة الوطن.

إن ما نشهده اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي، بمختلف أشكالها ومسمياتها، ليس سوى مرآة لحجم التفكك والضياع والتشويه الذي أصاب الإنسان والمجتمع والقيم، ومفهوم العمل الفكري والثقافي والسياسي والوطني الوحدوي.

ويبقى الوعي، واستعادة الثقة، والعودة إلى القيم الأصيلة، وثقافة العمل، وممارسة الحرية البناءة، والديمقراطية السليمة، هي الطريق الوحيد الممكن، متى توفّرت الإرادة وهيّئت الأرضية لذلك.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment