معتز فخرالدين
ليست السرديات مجرد حكايات تُروى عن الماضي، ولا تسجيلًا محايدًا للأحداث كما جرت، بل هي فعل اختيار وسلطة اختيار: ما يُروى وما يُهمَل، وما يُعاد تأويله، ومن أي زاوية. لذلك فإن السؤال عن سرديات الشعوب لا ينفصل عن سؤال القوة: من يمتلك حق السرد، ومن يُحرَم منه.
وفي الوعي الشائع، يُفترض أن الشعوب تكتب تاريخها بنفسها، لكن التجربة التاريخية، خصوصًا في منطقتنا، تقول عكس ذلك. فالشعوب غالبًا ما تعيش الحدث وتدفع كلفته، لكنها نادرًا ما تتحكم في لغته النهائية. بين التجربة والمعنى تتدخل السلطة، وتعيد ترتيب الواقع لتصبح الأحداث مهيكلة وفق مصالحها، ولتخضع الوعي الجمعي لما يُسمّى بالواقع المقبول. وتصبح السردية أداة لتشكيل الحدث، لا مجرد تسجيل له، ويصبح الوعي النقدي هو الفاصل بين ما يُفرض وما يُعاش كحقيقة.
السردية ليست التاريخ
التاريخ مادة خام من وقائع وتواريخ وأسماء وأحداث. أما السردية فهي الصياغة التي تحول الوقائع إلى معنى مرتب تتحكم فيه السلطة والثقافة والإعلام. وهي ترتيب انتقائي للذاكرة يمنح بعض الأحداث مركزية، ويحوّل أخرى إلى هوامش، وربما إلى محظورات.
ومن هنا، لا توجد سردية بريئة. كل سردية تحمل افتراضات مسبقة عن الفاعل والضحية، وعن المشروع والغاية، وعن ما ينبغي تذكّره وما يجب نسيانه باسم الاستقرار أو المستقبل. وهكذا يصبح السؤال عن من يكتب السرديات سؤالًا عن من يمتلك سلطة التأطير، أكثر من كونه مجرد تدوين للحدث. وتصبح السردية في حد ذاتها فعل قوة يتحكم في فهم الشعوب لتاريخها وواقعها، ويحدد حدود الممكن. ويصبح الذكاء النقدي هو الأداة التي تسمح بفهم ما يُصنع وما يُترك.
من يكتب سرديات الشعوب
نادراً ما يكون الكاتب هو الشعب نفسه. ففي الغالب تُكتب السرديات بأقلام الدولة، وخصوصًا دولة ما بعد الصراع التي تعيد صياغة الماضي لتبرير الحاضر، وتفرض تصنيفًا للخطأ والصواب.
والنخب الفكرية والإعلامية تنقسم بين من يعيد إنتاج سردية السلطة، ومن يحاول تفكيكها بتحليل نقدي غالبًا ما يُهمَّش أو يُشيطَن.
أما القوى الخارجية التي تكتب عن الشعوب من موقع الوصاية، فتختزل أزماتها وتخفي أسبابها البنيوية. وهكذا تتحول الشعوب إلى مادة للسرد، لا إلى ذات راوية. ويصبح الصوت الشعبي مرئيًا فقط حين يُعاد تأويله بما يخدم سردية الآخرين.
وهنا يظهر وعي الشعب النقدي كخط الدفاع الأول لإعادة إنتاج سرديته، وفكفكة ما يُصنع له من معانٍ مسبقة، وتحويل السرد من أداة تحكم إلى أداة فهم وحقيقة.
فلسطين: مرآة معركة السرديات
الحالة الفلسطينية تقدم المثال الأوضح على كيفية مصادرة سرديات الشعوب حين تختل موازين القوة. فالقضية الفلسطينية، التي هي في جوهرها استعمار استيطاني وتهجير منهجي، أُعيدت صياغتها سرديًا بوصفها "نزاعًا".
ليس لأن الوقائع التبست، بل لأن اللغة أُديرت سياسيًا.
الفلسطينيون عاشوا النكبة واللجوء والمقاومة، لكنهم غالبًا لم يمتلكوا المنصة التي تسمح لهم بأن يكونوا ذاتًا راوية. بل أصبحوا أطرافًا "مشكلة" داخل سردية كتبها غيرهم. هذا التحكم في اللغة أعاد إنتاج الظلم بوصفه واقعًا طبيعيًا، وحوّل المقاومة إلى "عنف"، والذاكرة إلى "تهديد"، والشعب إلى "حالة إدارية"، بينما استُبدلت العدالة بإدارة النزاع.
فلسطين بهذا المعنى لا تمثل استثناء، بل تكشف آلية عامة:
من يسيطر على اللغة يسيطر على المعنى، ومن يسيطر على المعنى يحدد حدود الممكن في التاريخ والمستقبل معًا. وهنا يظهر وعي الشعب النقدي كالأداة الوحيدة لمقاومة محاولات إعادة صياغة التاريخ وفرض سرديات خارجية تحجب الحقيقة وتغيّر مسار المستقبل، وتحافظ على الذاكرة كقوة حية.
كيف تُصادَر سرديات الشعوب
مصادرة السرديات لا تتم بالقمع المباشر فقط، بل عبر أدوات أكثر نعومة، منها:
• مناهج تعليم تُفرغ التاريخ من صراعاته، وتحصر المعرفة ضمن حدود مقبولة سياسيًا.
• إعلام يحدد ما يُقال ومتى، ويعيد إنتاج اللغة الرسمية للأحداث.
• شيطنة الذاكرة ووصمها بالتحريض لإضعاف القدرة على المقاومة الرمزية.
• تحويل الضحية إلى متهم، والسؤال إلى تهديد.
• خلق شعور بالانقسام الداخلي.
بهذه الآليات تُفصل الشعوب عن ذاكرتها، ويُعاد تعريف هويتها خارج سياقها التاريخي، مما يجعل السردية أداة تحكم لا مجرد تسجيل للواقع. وفي كل هذه العمليات يبرز الوعي النقدي كخط الدفاع الأول للحفاظ على الحق في السرد، وإعادة صياغة المعنى بما يعكس الواقع الحقيقي، ويمكّن الشعوب من إدراك محاولات السيطرة عليها والتأثير في تاريخها، وتحويل المعركة من مجرد حدث إلى معرفة مستمرة.
متى تكتب الشعوب سرديتها
تكتب الشعوب سرديتها حين تمتلك:
• وعيًا نقديًا بتاريخها،
• مثقفين مستقلين عن السلطة والطائفة،
• فضاءً عامًا يسمح بالاختلاف،
• قدرة على الفصل بين الذاكرة والانتقام، وبين السردية والقداسة.
فالسردية التي لا تُراجع تتحول إلى أيديولوجيا، والأيديولوجيا حين تُقدَّس تُغلق باب الحقيقة، وتصبح مسيطرة على الأذهان أكثر من السيطرة على الوقائع. وهنا يظهر الذكاء الجماعي كأداة لاستعادة الحق في السرد والمقاومة الرمزية، وحماية القدرة على تشكيل المستقبل.
ويصبح السؤال ليس فقط: من يكتب التاريخ؟
بل: من يملك القدرة على فهمه واستعادته؟
خاتمة
معركة السرديات ليست مجرد نقاش حول من يملك الكلمات أو من يكتب التاريخ، بل هي صراع على القدرة نفسها على تشكيل الواقع من خلال المعنى. وحين تُفقد الشعوب حقها في السرد، يُعاد صياغة تاريخها، وتُهندس مستقبلها، وتُفرض عليها حدود الممكن، حتى لو بقيت الوقائع على حالها.
ومن دون استعادة هذا الحق، يظل التحرر ناقصًا، والحرية مشوهة. ويصبح الوعي النقدي شرطًا أساسيًا لاكتشاف ما هو مصطنع وما هو حقيقي، وما يحق للشعب أن يحتفظ به كذاكرة حية وقوة مقاومة.
وبهذه الطريقة يصبح استعادة الصوت الشعبي في السرد ليس مجرد واجب أخلاقي أو ثقافي، بل أداة استراتيجية لإعادة القدرة على تشكيل المستقبل والواقع على حد سواء، ولتأكيد أن الحق في السرد هو الحق في الحياة والعدالة والمعنى. وكل معركة على الكلمات هي في النهاية معركة على الوعي والحرية والقدرة على أن يكتب الشعب نفسه ما يعيشه ويفسر واقعه.











02/06/2026 - 14:16 PM





Comments