تشخيص غراهام وعلاج الانتحار السياسي: قراءة في معضلة الجيش والسيادة

02/06/2026 - 13:45 PM

A

 

بيار مارون *

في واشنطن، أنهى السيناتور الأميركي ليندسي غراهام اجتماعه مع قائد الجيش اللبناني فجأة. السبب كان مباشرًا: رفض الجنرال رودولف هيكل وصف حزب الله بأنه «منظمة إرهابية في سياق لبنان».

يختصر السجال بين غراهام وهيكل جوهر الفجوة بين بيروت وواشنطن: الأولى تتعامل مع حزب الله كواقع داخلي معقّد، والثانية تنظر إليه من خلال نصوص قانونية جامدة ومعايير أمن قومي لا تراعي هشاشة البنية اللبنانية. ما بدا “خلافًا على توصيف” هو في الحقيقة صدام بين منطقين مختلفين: منطق الدولة الكبرى، ومنطق الدولة المهدّدة بالانهيار.

فخّ المصطلحات: المبدأ الأميركي مقابل الواقعية اللبنانية

من منظور القانون الأميركي، توصيف غراهام لحزب الله يتوافق مع السياسة الرسمية لواشنطن. لكن بالنسبة لقائد جيش لبناني، فإن تبنّي هذا الخطاب علنًا ليس موقفًا سياسيًا، بل خطوة قد تشعل شرارة صراع داخلي لا تعرف عقباه.

فالجيش اللبناني هو آخر مؤسسات الدولة المتماسكة، وأي انزلاق لغته نحو المواجهة الداخلية يهدّد بتفجير المؤسسة من الداخل. هذا ثمن لا تستطيع بيروت تحمّله، ولا يمكن لواشنطن تجاهله إذا كانت تريد الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.

مفارقة المساعدات: تجويع الدولة لتقوية الميليشيا

التهديد بقطع المساعدات عن الجيش بسبب “عدم الوضوح” في توصيف حزب الله يعكس منطقًا مقلوبًا. فالسلطة في لبنان لا تختفي، بل تُستبدل. وإذا ضعف الجيش أو عجز عن دفع رواتبه، فلن يتراجع حزب الله، بل سيتمدد في الفراغ.

كل دولار يُسحب من دعم المؤسسة العسكرية يتحوّل عمليًا إلى تعزيز غير مباشر للقوى غير الشرعية التي تمتلك تمويلًا مستقلًا وقدرة على ملء أي مساحة تتراجع عنها الدولة.

السيادة ليست زرّ تشغيل… بل عملية تراكمية

الخطأ في مقاربة غراهام هو افتراضه أن استعادة السيادة قرارٌ يُتخذ، لا مسارٌ يُبنى.

فالسيادة لا تُستعاد ببيان سياسي، أو بتشخيص صحيح، بل بقدرة الدولة على منافسة الميليشيا في الأمن والخدمات والشرعية. الميليشيات تتراجع عندما تصبح الدولة خيارًا وحيدًا، لا عندما تُترك وحيدة في مواجهة الانهيار.

مسؤولية الداخل: لا دولة بلا إصلاح

لكن تحميل الخارج وحده المسؤولية هروب من نصف الحقيقة. فالدعم الدولي، مهما كان حجمه، لا يستطيع تعويض غياب الإصلاح الداخلي. الدولة لا تُبنى بالمساعدات فقط، بل بالإدارة الرشيدة والمؤسسات الفاعلة.

من دون مكافحة الفساد، وتعزيز استقلالية القضاء، وضبط الحدود، ومنع الزبائنية السياسية من اختراق الجيش والإدارة، ستبقى أي مساعدات مجرّد مسكّنات مؤقتة لا تغيّر ميزان القوة على الأرض.

المساعدات يمكن أن تساعد دولة قررت أن تبني نفسها. أما دولة لا تريد إصلاح نفسها، فلن ينقذها أي دعم خارجي.

الخلاصة

تشخيص واشنطن للمرض واضح تماماً: وجود سلاح خارج الدولة هو أصل المعضلة. لكن العلاج الذي يلوّح به غراهام يشبه قتل المريض للتخلص من الحمى.

النهج الأكثر واقعية هو دعم الجيش بشروط تنفيذية — مثل ضبط الحدود وتعزيز الشفافية استئصال الفساد واستقلالية القضاء — لا بشروط خطابية قد تفجّر الداخل.

ففي لبنان، الكلمة قد تشعل نزاعًا، أما بناء الدولة فيحتاج إلى ما هو أعمق من الكلمات.

 

* محلل استراتيجي

SOUL for Lebanon

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment