مصر وتركيا… من خصومة عقد إلى شراكة ضرورة

02/06/2026 - 10:34 AM

Arab American Target

 

 

الكاتب الصحفى عزت سلامة

بعد قطيعة استمرت ١٢ عامًا تقريبًا من التفاعلات والعلاقات التجارية والدبلوماسية المفعّلة، جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، ومقابلة نظيره المصري الرئيس عبد الفتاح السيسي، لتكون أكثر أهمية في ظل توترات إقليمية وعالمية شديدة. ولم تكن الزيارة مجرد حدث بروتوكولي عابر، بل جاءت كتتويج لتحول سياسي عميق فرضته معادلات الإقليم وأحداث جمة غيّرت خريطة العالم، وفي القلب منها منطقة الشرق الأوسط، حيث تتبدل التحالفات وفق منطق المصالح، لا وفق إرث الخلافات أو صخب الشعارات.

فعلى مدار عقد كامل، كانت العلاقات بين القاهرة وأنقرة غير مستقرة ويحكمها صراع سياسي. لكن لأن الشرق الأوسط اليوم يعيش مرحلة مختلفة: حرب في غزة، اضطراب في السودان، توقعات بتجدد القلق في ليبيا بعد مقتل سيف الإسلام القذافي، أيضًا صراع نفوذ في البحر الأحمر، وتنافس على الطاقة في شرق المتوسط… في ظل هذا المشهد يصبح التقارب بين مصر وتركيا ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار دبلوماسي. وقد احتل الجانب الاقتصادي العنوان الأوضح في الزيارة.

فتركيا التي تواجه ضغوطًا اقتصادية داخلية، تبحث عن منافذ وأسواق واستثمارات تعيد تنشيط صادراتها وصناعاتها. ومصر التي تسعى إلى جذب الاستثمارات وتوسيع قاعدتها الصناعية، ترى في الشركات التركية شريكًا عمليًا لا مجرد حليف سياسي. وهنا يلتقي الطرفان عند نقطة المصالح: تركيا تحتاج السوق المصري، ومصر تحتاج رأس المال والخبرة الصناعية التركية.

ولا يمكن أيضًا تجاهل حرب غزة والدور المصري–التركي. فالقاهرة، بحكم الجغرافيا والتاريخ، هي اللاعب الرئيسي في إدارة الملف الفلسطيني، بينما تحاول أنقرة استعادة حضورها السياسي عبر بوابة غزة والقضية الفلسطينية. التنسيق بين البلدين في هذا الملف يمنحهما ثقلًا سياسيًا مهمًا، ويمنع احتكار القوى الدولية لمستقبل القطاع وترتيبات ما بعد الحرب.

قبل سنوات قليلة، كانت مصر وتركيا على طرفي نقيض في صراع شرق المتوسط، وتحالفت كل منهما مع أطراف إقليمية ودولية لمواجهة الأخرى. لكن التجربة أثبتت أن سياسة المواجهة الحادة لا تصنع استقرارًا دائمًا، وأن ملفات الطاقة والاقتصاد قد تفتح أبواب التفاهم حتى بين الخصوم. وقد جاء التقارب الحالي ليعيد رسم توازنات شرق المتوسط، ويخلق معادلة أكثر واقعية تقوم على المصالح الاقتصادية المشتركة، لا على الصراعات السياسية. شراكة المصالح هي الأهم في ظل معاناة الدولتين من ظروف اقتصادية شديدة الصعوبة. فالعلاقات الدولية لا تُبنى على العواطف، بل على المصالح.

ما يجمع القاهرة وأنقرة اليوم هو فقه الضرورات: اقتصاد يحتاج إلى انفتاح وانتعاش، وإقليم مضطرب يحتاج إلى توازن، وملفات ساخنة تتطلب تنسيقًا وليس صراعًا.

إن زيارة أردوغان إلى القاهرة قد تكون بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، عنوانها الواقعية السياسية، وتقدم المصالح على الخلافات، وإعادة رسم التحالفات وفق منطق الضرورة. فالتاريخ لا يذكر من كان على حق بقدر ما يذكر من نجح في حماية مصالحه. وربما تدرك القاهرة وأنقرة اليوم أن التعاون، مهما كان حذرًا، أقل كلفة بكثير من صراع لا يربح فيه أحد، والخسارة قد تكون كبيرة.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment