"مجلس ’ترامب‘ للسلام": منصّة ضخمة… ادعاءات كبيرة بلا آلية لتحقيق سلام حقيقي

02/06/2026 - 03:58 AM

Bt adv

 

 

رئاسة مدى الحياة، مساهمات بمليارات الدولارات، وصلاحيات فضفاضة… كلّها لن تُهَدِّئ عالماً ينجرف نحو مزيد من الصراعات.

 

بقلم شربل عبد الله أنطون

لطالما كان منتدى دافوس مسرحاً للإعلانات الكبرى، لكن الكشف هذا العام عن «مجلس السلام» الذي أطلقه دونالد ترامب كان مصمّماً ليخطف الأضواء كلّها. قادة من عشرات الدول وقفوا تحت الأضواء الساطعة، أقلامهم جاهزة للتوقيع على ميثاق لمّاع، فيما أعلن ترامب أنّ المبادرة تشكّل بديلاً تاريخياً عن الأمم المتحدة التي وصفها بــ «المُعطّلة». كان المشهد سينمائياً. أمّا العالم، فبقي غارقاً في النزاعات — من غزّة إلى أوكرانيا وصولاً إلى المحيطين الهندي والهادئ — فيما حتى أقرب شركاء واشنطن بدوا متردّدين أو غائبين بصمت.

المفارقة واضحة: ما قُدِّم كهيكلية جديدة للاستقرار العالمي يبدو أقرب إلى منصّة شخصية مغلّفة بلغة متعددة الأطراف.

استعراض بلا مضمون

لقد اقتصرت مراسم دافوس على الرمزية دون تقديم أي هيكل فعلي. فــ «مجلس السلام» يفتقر إلى العناصر الأساسية لأي مؤسسة دولية فاعلة:

لا يتمتع بوضع قانوني محدد ضمن منظومة القانون الدولي

لا يملك أدوات تنفيذ أو آليات لفضّ النزاعات

لا توجد لديه آليات للمساءلة.

تفويضٌ فضفاض يتراوح بين إعادة إعمار غزّة، ووعد غامض بـ«معالجة الأزمات العالمية» .

إنه يكرر نقاط ضعف الأمم المتحدة ومنها: البطء، والاعتماد على التوافق، والتعرض المتكرر للعرقلة.  دون تقديم أي ابتكار مؤسسي. ما يضيفه فعلياً هو دور أكثر تمركزاً حول ترامب ونادٍ أصغر وأكثر حصرية من الدول.

السلام يحتاج إلى تقاسم السلطة… لا إلى رئاسة مدى الحياة

يعكس تصميم مجلس السلام نموذجًا للسلطة الشخصية بدلًا من الحوكمة المشتركة:

ترامب رئيسٌ للمجلس مدى الحياة، مع آليات عزل شبه مستحيلة

دائرة تنفيذية ضيّقة تتمحور حول الرئاسة الأميركية وشبكة ترامب الخاصة

·       العتبة المالية العالية للعضوية الدائمة تُعزز التسلسل الهرمي، لا المساواة.

تنجح المؤسسات متعددة الأطراف لأنّ السلطة فيها موزّعة، والإجراءات واضحة، ولا يملكها فرد واحد. أمّا مؤسسة تُبنى حول «علامة» شخص واحد — أيّاً يكن — فلا يمكنها أن تكون وسيطاً نزيهاً بين الخصوم أو رادعاً للأقوياء.

صور تذكارية في عالم يتّجه نحو الحرب

يأتي المجلس في لحظة تتصاعد فيها النزاعات بدلاً من أن تنحسر:

غزّة والأزمة الإسرائيلية–الفلسطينية

حرب روسيا في أوكرانيا

تصاعد المواجهة الأميركية–الصينية، بما في ذلك تايوان وبحر الصين الجنوبي

التوترات الأميركية-الإيرانية.

تصاعد الصراعات بالوكالة

ومع ذلك، لا يقدّم المجلس أي خرائط طريق جدّية لوقف إطلاق النار أو التسويات السياسية. لا آليات مراقبة أو تحقق. لا مقترحات لمعالجة سباقات التسلّح، أو الضمانات الأمنية، أو ترتيبات تقاسم السلطة.

في اللحظة التي يحتاج فيها العالم إلى إدارة نزاعات دقيقة وتقنية، يقدّم المجلس شعارات وحركات استعراضية.

أمم متحدة موازية… أم دائرة نفوذ شخصية؟

تُسوَّق مبادرة المجلس كبديل أسرع وأكثر حسماً من الأمم المتحدة. لكن السرعة بلا هيكلية ليست استراتيجية.

يتردد الحلفاء الأوروبيون الرئيسيون لواشنطن في الانضمام أو يرفضون ذلك.

لا وضوح حول علاقة المجلس بقرارات الأمم المتحدة أو المحاكم الدولية أو المنظمات الإقليمية

بدلاً من إصلاح التعددية، يهدد هذا المجلس بخلق نادٍ يتمحور حول الرئيس الأميركي الحالي، ويُهمّش الدول المعارضة ويُشرّع تجاوز المعايير القائمة. في ظل نظام عالمي مُنقسم، قد يُعمّق هذا الانقسامات، حيث تتجمع مجموعة من الدول حول هذا المجلس، بينما تتمسك دول أخرى بالأمم المتحدة أو مجموعة بريكس أو منتديات بديلة.

إن استنساخ المؤسسات لأغراض سياسية يجعل التنسيق أصعب، لا أسهل.

فرصة ضائعة — وكيف كان يمكن أن يبدو مجلسٌ جدياً

كان يمكن لرأس المال السياسي الذي جرى حشده في دافوس أن ينتج آلية حقيقية هادفة وذات مصداقية، لا سيما فيما يتعلق بغزة، حيث تشتدّ الحاجة إلى تدخل دولي منظم.

كان من الممكن أن تتضمن مبادرة جادة ما يلي:

• ولاية محددة: مراقبة وقف إطلاق النار، وصندوق إعادة الإعمار، وضمانات مرتبطة بقرارات الأمم المتحدة.

• حوكمة شفافة: قيادة دورية، ورقابة مستقلة، ودور فاعل للدول المحايدة.

• التزامات ملزمة: شروط واضحة للمساعدات، ومساءلة عن الانتهاكات، والتكامل مع المؤسسات القائمة.

بدلاً من ذلك، قُدّم هذا المجلس للعالم كمنصّة وعلامة تجارية… لا نظاماً.

يكمن الخطر في أن يصبح "مجلس السلام" مجرد تسمية فارغة أخرى في مشهد مكتظ بالفعل بالمبادرات التي لا تُحدث أي تغيير على أرض الواقع.

السلام يحتاج إلى مؤسسات… لا إلى شعارات

يتجه العالم نحو المزيد من الصراعات، لا نحو تقليصها. في ظل هذه الظروف، تكتسب المؤسسات أهمية بالغة أكثر من أي وقت مضى. فالسلام الدائم ينبع من تقاسم السلطة، والقواعد الملزمة، والهياكل الشاملة، لا من هيئات فوق وطنية تُبنى حول صورة زعيم واحد أو وفقًا لتقديره الشخصي.

ما لم يتطوّر «مجلس السلام» جذرياً عبر توضيح تفويضه، وتوزيع السلطة داخله، ودمجه بالقانون الدولي، فسيُذكَر لا كنقطة تحوّل، بل كعرضٍ في دافوس أضاع فرصة نادرة لبناء شيء حقيقي.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment