سيادة بالشعارات… وتبعية بالفعل: لبنان بين الوصايات وصراع الداخل

02/06/2026 - 03:51 AM

Bt adv

 

 

 رشيد ج. مينا

الكثير من أصحاب المناصب والعاملين في الحقل الإعلامي والسياسي، ومن النشطاء ودعاة الحرية والسيادة والاستقلال، ومن يتصدّرون المقاومات السياسية والعسكرية وركوب موجات الثورة والتغيير، يطلّون يوميًّا عبر المنابر والبيانات والمنصّات يحدّثوننا عن التحرّر، واستعادة القرار الوطني، وبناء الدولة والمؤسسات، واحترام السيادة وتكريس المصلحة اللبنانية العليا.

لكن ما هذا الانفصام؟ بل ما هذا الخداع المفضوح بين القول والفعل؟

كيف يُرفع شعار السيادة فيما يتحدّث هؤلاء أنفسهم عن دولة فلانية تُقرر مصير جهة ما، وأخرى ترعى تيارًا ما، وثالثة تُقصي زعيمًا أو تعيّن بديله؟ كيف يستقيم خطاب الاستقلال فيما تُدار الطوائف بانتظار "الراعي الخارجي" الذي يحدّد شكل قياداتها؟ وكيف يُبنى وعي وطني فيما يُسوّق البعض أن سفيرًا أجنبيًا هو من يمسك مفاتيح الحل والربط، وأن دولة خارجية تموّل وتسلّح، وأخرى "ترعى" بيئات وتنظّم اصطفافاتها؟

نعم، المساعدات الدولية الإيجابية للبنان مطلوبة، وهي حين تأتي في إطار الدعم الإنساني والاقتصادي تكون محل ترحيب. ودعم الأشقّاء العرب للبنان واجب طبيعي يعكس عمق الانتماء العربي المشترك. لكن شتان بين الدعم والتدخّل، بين المساعدة والوصاية، بين التعاون والهيمنة المفروضة عبر الأجندات والشروط.

ولا يمكن الحديث عن السيادة والقرار الوطني بمعزل عن الدور الأميركي الضاغط الذي لطالما تعامل مع لبنان من زاوية مصالحه الخاصة ومصالح إسرائيل فقط، وليس انطلاقًا من رؤية لاستقرار لبنان أو ازدهاره. فالولايات المتحدة، رغم خطابها عن دعم المؤسسات اللبنانية، تواصل مقاربتها الأمنية – السياسية التي تؤمّن التفوق الإسرائيلي، وتتعامل مع لبنان كملف قابل للضغط والابتزاز بملفاته المالية والاقتصادية والسياسية. وفي الوقت نفسه يستمرّ الاحتلال والعدوان الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر الخروقات اليومية الجوية والبحرية، والاغتيالات، واستهداف البنى التحتية، وكأن لبنان دولة بلا سيادة ولا حماية دولية فعلية. إن تجاهل هذا الواقع، أو التعامل معه كأمر عابر، لا يُسهم إلا في تكريس هشاشة الدولة وفتح الباب لمزيد من التدخلات الأجنبية المتنافسة على أرضنا.

إن الحرية والسيادة والاستقلال ليست شعارات بل ممارسة. وهي تتطلّب قبل كل شيء كسر التبعية للخارج، ووقف تحويل لبنان إلى ساحة صراعات إقليمية ودولية. ولا سيادة فعلية من دون حصرية السلاح بيد القوى الشرعية اللبنانية، ومن دون دعم فعلي للمؤسسات العسكرية والأمنية كي تقوم بواجباتها كاملة، ومن دون عودة الجميع إلى الداخل والحوار البنّاء حول تنفيذ بنود اتفاق الطائف وتعديل ما يلزم منه لإقامة دولة ديمقراطية حديثة تُطبِّق القانون على الجميع دون استثناء.

إن الوحدة الوطنية — الشعبية والسياسية — لا تُبنى على الشعارات، بل على ولاء صادق للبنان أولًا، وعلى عيش وطني يُجسّد غنى الانتماءات الدينية والثقافية لا استثمارها. لبنان كان وسيبقى نموذجًا حضاريًا للتنوّع والتفاعل، إذا استعاد أبناؤه قرارهم، وتحرّروا من الوصايات، ووحّدوا رؤيتهم لبناء الدولة التي يستحقونها.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment