ماذا تعني عودة نوري المالكي إلى الواجهة بالنسبة للولايات المتحدة؟

02/05/2026 - 14:17 PM

Prestige Jewelry

 

 

بقلم شربل عبد الله أنطون

 عودة الزعيم الشيعي الأكثر إثارة للجدل في العراق تشير إلى نية إيران فرض شروطها على إدارة دونالد ترامب.

اختارت الكتلة الشيعية المهيمنة في العراق العودة إلى الماضي لاختيار وجه للمستقبل: رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي. ويتم الترويج لترشيحه باعتباره عودة "رجل قوي مخضرم" قادر على إعادة فرض النظام ووضع الميليشيات الموالية لإيران تحت سيطرة الدولة. لكن هذه الرواية ليست سوى مسرحية سياسية. فعودة المالكي ليست إصلاحاً تكنوقراطياً، بل رسالة استراتيجية من طهران إلى واشنطن مفادها أن إيران مصممة على حماية نفوذها في العراق عبر أكثر رجالاتها ولاءً وخبرة في إدارة الصراع.

سجل المالكي لا يعكس نجاحه في ضبط الميليشيات، ولا حتى محاولاته الجدية. فخلال ولايتيه بين 2006 و2014، انزلق العراق إلى أسوأ موجة عنف طائفي منذ 2003، وخسر ثلاث محافظات لصالح "داعش"، وترسخت الميليشيات الشيعية داخل مؤسسات الدولة. ومع ذلك، فإن التحالف الموالي لإيران الذي يهيمن على البرلمان يعيده اليوم إلى الواجهة، في اللحظة نفسها التي تضغط فيها واشنطن على بغداد للحد من نفوذ الميليشيات، ومع استعداد الولايات المتحدة لنقل ما يصل إلى 7,000 معتقل من داعش من سوريا إلى العراق. هذا التزامن ليس صدفة، بل جزء من مشهد سياسي محسوب.

أسطورة "المنقذ" نوري المالكي

هناك رواية جديدة تتشكل ومفادها: إن نوري المالكي هو الشخصية الوحيدة القادرة على مركزة السلطة وفرض النظام. وقد تبنى بعض الدبلوماسيين والمحللين هذا الطرح، وأبرزهم السفير الأميركي السابق زلماي خليلزاد.

كما أثار بعض المعلقين الإقليميين هذا الأمر؛ فقد غرّد الإعلامي السعودي مالك الروقي قائلاً إن مهمة نوري المالكي في هذه الولاية هي "إدخال الميلشيات في القمقم"، مشيراً ايضاً إلى أن الهدف هو تقليص نفوذها، لا إنهاؤه. وأضاف "ترى أوساط شيعية أن النخبة السياسية العراقية تحتاج بوجود ‘سوريا الشرع’ خلق ‘عراق المالكي’ لتحقيق التوازن". لكن هذا الطرح يتجاهل التاريخ: فالمالكي لم يُعد الميليشيات إلى الزجاجة، بل كسر الزجاجة وبنى نظاماً سياسياً يعتمد على هذه الميليشيات.

الاعتقاد بأن المالكي سيُضعف الميليشيات أو يفككها هو مجرد وهم سياسي. فهذه الجماعات هي أداة النفوذ الأساسية لإيران في العراق. وطهران لا تُعيد تمكين رجُلها الأكثر ولاءً كي ينسف نفوذها بيده.

الدور المرجح للمالكي هو إعادة صياغة نفوذ الميليشيات وتوحيده عبر دمجها بشكل أعمق داخل مؤسسات الدولة، وحمايتها من الرقابة الدولية تحت شعار "سيطرة الدولة"، وإدارة الملفات الحساسة - بما في ذلك نقل آلاف المعتقلين من داعش - ضمن منظومة أمنية موالية لإيران. هذا ليس مشروعاً لترويض الميليشيات، بل لتثبيت نفوذها وتقديمه لواشنطن كأمر واقع.

غالباً ما تدور الحياة السياسية العراقية في حلقات مفرغة بدلاً من أن تتقدم للأمام. كما يشير الأكاديمي العراقي إياد عنبر أن النظام "يعيد إنتاج نفسه دون أي تطور دائري أو حلزوني". وترشيح المالكي مثال جديد على ذلك.

ويرى مصطفى فحص، الخبير اللبناني بالشؤون العراقية، أن هذه الخطوة تعكس دحول العراق في "مرحلة جديدة من تفكك التحالفات التقليدية وإعادة رسم خطوط التموضع الخارجي. اليمين الشيعي وقوى المركز الشيعية التقليدية يجدان نفسيهما أمام مهمة غير مسبوقة منذ 2003: الحفاظ على السلطة في لحظة تغيّر إقليمي وضغط داخلي متصاعد".

كما يشير السيد فحص إلى أنه "بدعم مسعود بارزاني لترشيح نوري المالكي، يخرج إلى العلن تقاطع مصالح بين اليمين الشيعي واليمين الكردي، في محاولة لإدارة مرحلة عراقية شديدة التعقيد داخليًا وإقليميًا"

لماذا اختار علي خامنئي نوري المالكي؟

من الواضح أن المرشد الإيراني علي خامنئي بارك عودة المالكي على حساب شخصيات شيعية أكثر توافقية. وباختيار شخصية إشكالية مخضرمة، تُظهر طهران أنها تُفضّل الولاء الأيديولوجي على الشرعية الداخلية أو الموافقة الغربية. وكما قال الدكتور عمر عبد الستار محمود، القيادي في المجلس الوطني للمعارضة العراقية والنائب العراقي السابق، فإن إيران "توجه ضربة موجعة لترامب وتستولي بالكامل على مفاصل الدولة والحكومة في العراق".

يشير هذا النوع من الرسائل إلى أن عودة المالكي لا تتعلق بحكم العراق، بل بتحديد قواعد الاشتباك مع إدارة دونالد ترامب. فإذا كانت واشنطن تنوي إحياء بعض عناصر "الضغط الأقصى"، فإن طهران تستعد للرد بـ "المقاومة القصوى" من خلال قيادة بغدادية متوافقة تماماً مع رؤيتها الاستراتيجية للعالم.

خيارات واشنطن: معاقبة المالكي… لا الاكتفاء بالاحتجاج

لم يمر توقيت ترشيح المالكي على واشنطن مرور الكرام. فبعد ساعات من انتشار الخبر، أصدرت وزارة الخارجية بياناً حول مكالمة وزير الخارجية ماركو روبيو مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، محذرةً من أنّ "الحكومة الخاضعة لسيطرة إيران لا يمكنها وضع مصالح العراق في المقام الأوّل، أو إبقاء العراق بعيداً عن الصراعات الإقليمية، أو تعزيز الشراكة المتبادلة مع الولايات المتحدة”. ترى واشنطن أن تشكيل الحكومة العراقية خط أحمر استراتيجي، وليست مسألة داخلية بحتة، وهي مستعدة لتعديل مقاربتها إذا مالت بغداد بشكل حاسم نحو طهران.

ثم جاء التدخل المباشر والصريح بشكل غير معتاد من الرئيس دونالد ترامب عبر منصة "تروث سوشيال"، موجهاً ضربة سياسية موجهاً قاصمة لترشيح المالكي. حيث قال ترامب محذرا: "آخر مرة كان فيها المالكي في السلطة، انحدر البلد إلى الفقر والفوضى التامة. لا يجب السماح بحدوث ذلك مجدداً". وأضاف ترامب: "بسبب سياساته وأيديولوجياته المجنونة، إذا تم انتخابه، فلن تساعد الولايات المتحدة العراق بعد الآن، وبدون مساعدتنا، لا فرصة للعراق في النجاح أو الازدهار أو الحرية”. هذه التصريحات حوّلت انزعاج واشنطن إلى تهديد واضح بعواقب وخيمة لأي طرف عراقي يدعم عودة المالكي.

في عام 2014، ساعدت إدارة أوباما في إزاحة المالكي لمنع انهيار الدولة. أمّا اليوم، فتواجه واشنطن واقعاً أكثر تعقيداً. فهي لا تستطيع منع العراقيين من اختيار قادتهم، لكنها تستطيع رفع كلفة خياراتهم. والسؤال ليس: هل تستطيع الولايات المتحدة منع تعيين المالكي؛ فهي لا تستطيع. بل السؤال: ما هو الثمن السياسي الذي ستفرضه واشنطن على المالكي وداعميه جراء ذلك؟

الخيارات الواقعية لواشنطن تشمل: عقوبات محددة على المالكي، وضغوطًا مالية، وربط التعاون الأمني بشروط، وتشديد الرقابة على المساعدات الأميركية، وعزلا دبلوماسياً للوزارات المرتبطة بالميليشيات. هذه هي الأدوات المتاحة لواشنطن، وتبقى العبرة في دقة التنفيذ على ميليشيات اعتادت على التهرب من عقوبات واشنطن.

يُخاطر الغرب بالاعتماد على الوهم أن "رجلاً قوياً" قادر على حل مشكلة الميليشيات في العراق. فعودة المالكي تُؤدي إلى عكس ذلك تماماً: فهي تُرسّخ نفوذ القوى نفسها التي أضعفت الدولة العراقية ومهّدت الطريق لصعود داعش. وإذا ما صدّق صانعو القرار أسطورة "الخبير المُحنّك"، فإنهم ببساطة ينتظرون الانهيار التالي للعراق.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment