رشيد ج. مينا
يُعرَّف العمل السياسي بأنه نشاط فردي أو جماعي منظّم، يهدف إلى التأثير في إدارة شؤون الدولة وصنع القرار وتوزيع الموارد، عبر الترويج للأفكار، والمشاركة في الانتخابات، والاحتجاجات، والعمل التشريعي والرقابي. وهو، في جوهره، أداة للمحاسبة وتحقيق التغيير أو ترسيخ الاستقرار، انطلاقًا من قناعات فكرية ومبادئ واضحة تُترجم إلى استراتيجيات وخطط وتكتيكات تخدم المصلحة الوطنية العامة.
لكن السؤال الجوهري اليوم:
هل ما زال هذا التعريف ينطبق على واقعنا العربي؟
وهل ما نشهده، ولا سيما في لبنان، يمكن وصفه فعلًا بأنه عمل سياسي؟
الواقع المعاش يناقض هذه المفاهيم بالكامل. ولبنان، من دون مبالغة، يشكّل النموذج الأكثر وضوحًا لهذا الانحراف. فما هو قائم ليس عملًا سياسيًا، بل سلوك طائفي مذهبي منظّم، تتخفّى خلفه أحزاب وحركات وتنظيمات تتزيّن بالعناوين البراقة، بينما تُدار في العمق بمنطق العصبية والمحاصصة والارتهان للخارج.
حتى التشكيلات التي تزعم تجاوز الطائفية، لا تتردّد في استخدامها كأداة استثمار سياسي رابح، لتحقيق مصالح ضيقة لا تمتّ بصلة لمصالح من تدّعي تمثيلهم. إنها تجارة سياسية تقوم على شدّ العصب، واستدعاء الخارج، والاستقواء به، لحماية النفوذ والمواقع.
في هذا السياق، يمكن القول بوضوح:
لقد تم اغتيال العمل السياسي الوطني الملتزم في لبنان.
وُئد يوم جرى استبدال السياسة بالزبائنية، والفكر بالولاء، والمشروع الوطني بالتوازنات الطائفية. ومنذ إدخال البلاد في النفق المظلم قبل عقود، لم يعد هناك مشروع سياسي وطني، بل منظومة مصالح متشابكة تُعيد إنتاج نفسها بلا انقطاع.
حتى القضايا الوطنية الكبرى، حين خضعت للطأفنة والتمذهب، سقطت. فالمقاومة الوطنية ضد العدوان الصهيوني، حين كانت جامعة، حظيت بالالتفاف الشعبي اللبناني والتأييد العربي. لكنها فقدت معناها يوم تحوّلت إلى أداة مذهبية مرتبطة بالخارج، تُستخدم في خدمة أجنداته وصراعاته على حساب المصلحة الوطنية. وهذا قانون عام:
كل قضية وطنية تسقط حين تُختزل بطائفة أو مذهب.
لا فراغ في قيادة طائفة بعينها، ولا كمال في قيادات الطوائف الأخرى. هذه السرديات ليست سوى أدوات استثمار سلطوي تُستخدم لتبرير الاستمرار في نهج المناصب والمصالح على حساب الوطن والشعب.
إن العمل السياسي، بمفهومه الحقيقي، حاجة لا غنى عنها. لكنه لا يُستعاد إلا عبر حركة شعبية وطنية، خارج أطر الطائفية والمذهبية والتبعية، قائمة على الوعي، والوحدة الوطنية كممارسة لا كشعار، والحرية، والديمقراطية الفعلية.
فالانتماء العربي للبنان ليس موضع التباس، وهو الإطار الطبيعي لبناء دور وطني فاعل. ومن هنا يبدأ الطريق:
استعادة القرار الوطني، وبناء الدولة والمؤسسات، وتكريس الشرعية والسيادة، وتحقيق الأمن والاستقرار الاجتماعي، وانتظام العمل العام، وفتح أفق التغيير الديمقراطي، والتطوير الدستوري والقانوني، بما يلبّي آمال الشعب اللبناني ويؤسّس لمستقبل يليق به.











02/05/2026 - 13:51 PM





Comments