رشيد ج. مينا
من جيلٍ إلى جيل، ولأكثر من خمسة عقود، ولبنان يسير في نفقٍ لم تظهر له نهاية بعد. الجميع – يمينًا ويسارًا، مقاومين عسكريين ومدنيين، من كل الأطياف الفكرية والسياسية – يتحدّثون عن الدولة، عن التحرير والسيادة، عن استعادة القرار، وبناء المؤسسات، وتطبيق الدستور، وجعل القانون فوق الجميع، ومكافحة الفساد والمحصصة والطائفية والمذهبية.
لكن…
أحدٌ لم يتوقّف ليسأل عن الإنسان في لبنان.
أجيالٌ كاملة وُلدت وتفتّحت عيونها على الفوضى، على شريعة الغاب، على التبعية، وعلى الاستقواء بالسلاح والزعيم وأصحاب النفوذ. أجيالٌ لم تعرف القانون إلا حين يُستخدم ضد الضعيف، ولم ترَ العدالة إلا صورة باهتة في الكتب، ولم تشهد يومًا محاسبة حقيقية لسارقي البلد وناهبيه.
جميل أن نتحدّث عن الدولة والقانون…
لكن الأجمل والأصدق أن نسأل: كيف نعيد بناء الإنسان؟
كيف ننتقل بهذه الأجيال من واقعٍ اعتادت فيه التفلت والمخالفات واللادولة… إلى واقع تُطبّق فيه القوانين في ظل مؤسسات حقيقية؟ وهل يمكن ذلك من دون معالجة جذريّة تبدأ من المدرسة ولا تنتهي بسوق العمل؟
اللبنانيون يتوقون إلى دولة تُنصفهم، لا دولة تجبي منهم فقط.
دولة تحميهم من الظلم، وتوفّر لهم قضاءً نزيهًا، وتعليمًا محترمًا، وفرصًا عادلة.
لكن هذه الدولة لا يمكن أن تقوم ما لم نُعد الاعتبار للتربية، للمدرسة الرسمية، لتنظيم التعليم الخاص، لتطوير المناهج، ولتوحيد كتب التاريخ والتربية المدنية بما يعكس حقيقة الوطن لا مصالح الطوائف.
كما لا قيام لدولة حديثة بلا تعليم مهني وتقني وتكنولوجي فعّال، وبلا ربطٍ حقيقي بين الاختصاصات الجامعية وحاجات السوق الوطنية والعربية.
أمّا كل الدعوات إلى الدولة، وحصرية السلاح، والإصلاح، والإنقاذ… فستبقى شعارات فارغة إن لم تُقترن بخطة تعالج جذور الأزمة.
إن إعادة بناء الإنسان ليست خطوة لاحقة لبناء الدولة، ولا مقدّمة منفصلة عنها؛ بل هي مسارٌ متوازٍ لا يقوم أحدهما من دون الآخر. فالدولة الحديثة تحتاج إلى مواطن حرّ وواعي ومسؤول، كما يحتاج المواطن إلى دولة تحميه وتحتضن حقوقه وتوفّر له شروط الحياة الكريمة.
إن النهوض الحقيقي في لبنان يبدأ عندما يُبنى الإنسان والدولة معًا، في حركة واحدة متكاملة، لا في معادلة ناقصة تكتفي بالشعارات دون تغيير جذري في الواقع.











02/05/2026 - 09:25 AM





Comments