قراءة في أبعاد انهيار اتفاق الشرع – عبدي

02/05/2026 - 09:13 AM

Bt adv

 

 

 

 

بقلم عدنان القاقون

لم يكن مفاجئًا «حوار الدم» الذي اندلع بين قوات السلطة في دمشق ومقاتلي قوات سوريا الديمقراطية «قسد». فالخلافات جوهرية، والاشتباكات الدامية التي انطلقت من حلب إلى الرقة ودير الزور وصولًا إلى الحسكة ليست سوى نتيجة طبيعية لمسار التباعد البنيوي في رؤية كل طرف لكينونة المواطنة.

المفاجئ كان مضي أشرعة الحرب بما يخالف رياح المواقف الأميركية، إذ أطَلَّ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس مطالبًا القيادة السورية بحل خلافاتها مع الأكراد. ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين تلويحهم بإعادة فرض قانون قيصر إذا استمرت العمليات العسكرية ضد المكوّن الكردي.

لكن قوات الرئيس أحمد الشرع تجاوزت خطوط التحذير وزحفت نحو مناطق الثروة التي تحوي آبار النفط والغاز في شرق وشمال شرق سوريا، ووصلت تخوم حقول «الألغام العقائدية» حيث مخيمات داعش ترسم تضاريس المجهول.

بالأمس القريب، أحيت سوريا والعالم الحر الذكرى السنوية الأولى لرحيل نظام الأسدين، وبدا في أفق الأمل ألمٌ. فبالنسبة لمكوّنات وطن الأربعين حضارة، فإن ما بُني على «باطل» الإعلان الدستوري في مارس/آذار العام الماضي يتصدّع الآن قتالًا ودمارًا في مناطق عدة، بدءًا من الساحل السوري إلى السويداء جنوبًا، والآن تتكرر فصول الدم في مناطق الكرد.

نجح أبو محمد الجولاني، وفق ترتيب إقليمي دولي ما، في قيادة نحو ٤٧ فصيلًا وتحرير عاصمة الأمويين من الحكم الأسدي، لكنه أخفق في مدّ جسور التلاقي مع مكوّنات الشعب المختلفة. البعض يرجع ذلك إلى قصور شاب عملية الانتقال من «الحكم الفصائلي» إلى «عدالة الدولة»، وآخرون يعتبرون أن الإعلان الدستوري وُلد من رحم ضغط الفصائل، ويدلّلون على ذلك بما ورد نصًا: «الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع». فأين حقوق بقية المكوّنات السورية؟

في الإعلان الدستوري اختزل الرئيس أحمد الشرع كل السلطات في شخصه، قبل أن يُفجع العالم بمجازر «الفصائل الخارجة على القانون» في الساحل وتاليًا السويداء. فكان من الطبيعي المطالبة باللامركزية الإدارية ريثما تتضح معالم انضواء الفصائل تحت مفهوم الدولة. وفي السياق ذاته، كان مطلب اللامركزية في صلب المؤتمر الكردي العام الذي استضافته مدينة القامشلي في أبريل العام الماضي.

تصرّ السلطة في دمشق على انصهار المقاتلين غير الموالين في بوتقة الجيش، وهذا أمر في غاية الأهمية. ولكن من الأهمية أيضًا وأيضًا أن نعطي مشروعية لتساؤلات مثل: أين هو الجيش السوري؟ ما هي عقيدته العسكرية؟ لماذا تُفصَّل مناصب قوات الشرعية على مقاسات مقاتلي هيئة تحرير الشام (كما ورد في تقرير نيويورك تايمز الشهر الماضي)؟ وماذا أيضًا وأيضًا عن تورط «فئة ضالة» من عناصر الأمن العام في الاعتداء على العسكريين الأميركيين في تدمر الشهر الماضي؟

مع استعار وهج التشرذم يخفت بريق القائد، وتتسع هوة المواطنة، ويتقدم «المطلب الإقليمي» بأولوية الأمن على العدالة الاجتماعية، ويبتعد أكثر فأكثر حلم الدولة المدنية الجامعة في سوريا.

ثمة من يربط بين فسيفساء الاقتتال الداخلي في سوريا، وتحديدًا في عقر دار المكوّن الكردي المجاور للحدود العراقية–التركية، وبين متطلبات «مجلس السلام» الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في غزة، وما ترشّح من معلومات عن دور لهذا المجلس في إدارة النزاعات الدولية.

وعلى مرّ التاريخ، لم تنحصر القضية الكردية في بقعة معينة، وهناك من يخشى أن تتعدى شظايا انهيار اتفاق الرئيس أحمد الشرع مع قائد قسد مظلوم عبدي حدود الجغرافيا السورية. أولم يقل ليندسي غراهام، السيناتور الجمهوري المقرّب من سيد البيت الأبيض: «نحن على أعتاب أكبر تغيير في الشرق الأوسط منذ ألف عام». هل كان يقصد إيران فقط!

الأيام حبلى بالمفاجآت.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment