الذكاء الاصطناعي بلا إنسان: استثمار في القشرة لا في الجوهر

02/04/2026 - 14:56 PM

A

 

رشيد ج. مينا

تشهد المنطقة العربية اليوم اندفاعًا واسعًا نحو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، مترافقًا مع ضخّ موازنات كبيرة، وحملات إعلامية وتسويقية ضخمة، في عالمٍ تأخّر أصلًا عن مواكبة قطاع الاتصالات والتكنولوجيا والرقمنة. هذا الاندفاع، وإن بدا في ظاهره محاولة للحاق بالتقدّم العالمي، نجح في كثير من الأحيان في صرف الأنظار عن الأزمات الحقيقية والأولويات المعيشية والحياتية، وعن عقم الأنظمة الحاكمة ومؤسساتها وسياساتها، وفشلها المتكرر في إدارة أي مسار تنموي مستدام.

لا شكّ أن مواكبة التطور والحداثة وعدم التخلّف عن التحولات التقنية أمرٌ مهم وضروري، والعمل على تضييق الفجوة مع العالم المتقدّم واجتياز المعوّقات واجب لا نقاش فيه. غير أن هذا المسار لا يمكن أن ينجح في ظلّ سلطات لم تعمل أصلًا على إطلاق المجال أمام الذكاء البشري ليعبّر عن ذاته وتطلّعاته، ولم تستثمر في بناء الإنسان من خلال التربية والتعليم، ورعاية الشباب، واحتضان المبادرات الفردية الإبداعية، وتنمية القدرات الإنسانية في مختلف المجالات.

إن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من الخوارزميات، بل من الإنسان. من بناء مواطن خلاق ومبدع، لا مجرّد رقم أو تابع أو مستهلك مطيع. فالدول التي لم توسّع مساحة الحريات، ولم تعزّز الديمقراطية، ولم تبنِ مؤسسات قائمة على الكفاءة والمساءلة، لن تحصد من الذكاء الاصطناعي سوى واجهة تقنية براقة تُخفي واقعًا مأزومًا.

الذكاء الاصطناعي لا يصنع نهضة في فراغ بشري. وحده الاستثمار في البناء البشري، وتنمية القدرات، وتقوية الانتماء المواطني، وتوسيع فضاء الحريات، يتيح للإنسان العربي الإفادة من هذه التقنيات، وتوظيفها في خدمة التطور والحداثة في مختلف القطاعات، كمساعد للذكاء البشري لا كبديل عنه.

إن الرهان الحقيقي ليس على الآلة بحدّ ذاتها، بل على الإنسان القادر على توجيهها وتوظيفها. فكل استثمار يتجاوز الإنسان، ولا يحرّر عقله، ولا يبني وعيه، ولا يوسّع أفق حريته وقدرته على الإبداع، سيبقى استثمارًا ناقصًا مهما تضخّمت الأرقام وتعاظم الضجيج الإعلامي.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة نهضة حقيقية حين يُبنى على أساس بشري سليم، كما يمكن أن يتحوّل إلى قناع حداثي جديد لفشلٍ قديم، إذا استُخدم بديلاً عن الإصلاح، وعن بناء الإنسان، وعن معالجة جوهر الأزمة.

ومن دون إنسان حرّ، واعٍ، متعلّم، ومسؤول، ستبقى كل التقنيات… مجرّد قشرة لواقع مأزوم.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment