هدوء ما بعد العاصفة في حلب: بين التقاط الأنفاس وقلق الاقتحام

01/11/2026 - 08:01 AM

A

 

 

تحليل إخباري موسّع من اعداد الاعلامي جورج ديب

بعد ثلاثة أيام من الاشتباكات العنيفة التي هزّت حيّي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، خيّم هدوء نسبي على المنطقة، كأنّه استراحة محاربين في معركة لم تنتهِ بعد. هذا الهدوء، وإن كان مرحّبًا به من قبل السكان الذين وجدوا فيه فرصة لالتقاط الأنفاس، إلا أنه لا يخفي القلق المتصاعد من تصعيد وشيك قد يعيد الدمار إلى الأحياء التي أنهكتها الحروب المتتالية.

من السيطرة إلى الترقّب: واقع ميداني هشّ

المعطيات الميدانية تشير إلى أن القوات الحكومية السورية تمكّنت من فرض سيطرتها على حي الأشرفية، في حين لا يزال حي الشيخ مقصود تحت سيطرة قوات "الأسايش" الكردية. هذا التوزع الجغرافي يعكس توازنًا هشًا، قد ينقلب في أي لحظة إلى جولة جديدة من العنف، خصوصًا في ظل رفض "الأسايش" مغادرة مواقعهم، رغم تعهّد الحكومة بتأمين عبورهم الآمن إلى مناطق شمال شرقي سوريا.

البيان الصادر عن وزارة الدفاع السورية، والذي حدّد مهلة للمدنيين لمغادرة حي الشيخ مقصود عبر ممر إنساني تنتهي عند السادسة مساءً، لا يُقرأ فقط كإجراء احترازي، بل يُفهم ضمنيًا كتمهيد لعملية عسكرية محتملة، ما يضع آلاف المدنيين أمام خيارين أحلاهما مرّ: النزوح أو البقاء في منطقة قد تتحوّل إلى ساحة قتال.

المدنيون بين المطرقة والسندان

في خضم هذه المعادلة العسكرية، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف. فبين نيران الاشتباكات، وتهديدات القصف، ومخاوف الاقتحام، يعيش سكان الشيخ مقصود حالة من الترقب المشوب بالخوف.

"نحن لا نعرف إلى أين نذهب"، تقول أم محمد، وهي أم لأربعة أطفال، "هربنا من الحرب في الرقة لنجد أنفسنا اليوم في قلبها من جديد".

الهدوء الحالي لا يُطمئن كثيرين، بل يُشبه الصمت الذي يسبق العاصفة. فالمهلة المحددة للمغادرة، والخرائط التي نشرتها وزارة الدفاع وحدّدت فيها مبانٍ يُمنع الاقتراب منها، تُشير إلى نية واضحة في استهداف مواقع محددة، بعضها يقع في مناطق سكنية حساسة.

الكنيسة تُناشد... والقلق يتصاعد

من بين المباني المُهددة بالقصف، أبنية سكنية تابعة لكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك، ما دفع الكنيسة إلى إطلاق مناشدة عاجلة بعدم المساس بها، مؤكدة أن هذه الأبنية يقطنها أبناء الطائفة ولا تضم أي مقار عسكرية.

هذه المناشدة، التي تحمل في طياتها صرخة إنسانية وأخلاقية، تعكس حجم المخاوف من أن تتحوّل العملية العسكرية إلى استهداف عشوائي يطال المدنيين ودور العبادة، ويعيد إلى الأذهان مشاهد مؤلمة من سنوات الحرب الطويلة.

الرسائل السياسية خلف الدخان

بعيدًا عن الميدان، يرى مراقبون أن ما يجري في حلب يتجاوز البُعد الأمني، ويحمل رسائل سياسية واضحة. فالحكومة السورية، التي تسعى إلى فرض سيادتها على كامل الجغرافيا السورية، تعتبر أن وجود "الأسايش" في الشيخ مقصود تحدٍّ مباشر لسلطتها، خصوصًا بعد تعثّر اتفاقات الدمج السابقة بين الإدارة الذاتية والدولة.

في المقابل، رفض "الأسايش" الانسحاب يعكس تمسّكًا بمكتسبات سياسية وأمنية، ويُعبّر عن خشية من فقدان النفوذ في منطقة استراتيجية داخل حلب، ما يجعل من الحيّ ساحة اختبار جديدة لمستقبل العلاقة بين الطرفين.

خاتمة: بين الخوف والأمل

في الأزقة الضيقة لحي الشيخ مقصود، لا تُسمع اليوم أصوات الرصاص، بل أنين الخوف من المجهول.

الناس هناك لا يملكون ترف التحليل السياسي، بل يبحثون عن الأمان، عن سقف لا يهوي، وعن ممر لا يقود إلى التهلكة.

الهدوء النسبي الذي ساد اليوم قد يكون فرصة أخيرة للحوار، أو مهلة ما قبل الانفجار.

لبنان، الذي يتابع هذه التطورات عن كثب، يدرك أن ما يجري في حلب ليس بعيدًا عن تداعياته الإقليمية، وأن أي تصعيد جديد قد يفتح أبوابًا أخرى للأزمات في المنطقة.

فهل يُكتب لهذا الهدوء أن يستمر؟

أم أن الساعة السادسة مساءً ستكون بداية فصل جديد من الألم؟

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment