عادل صوما
بعيداً عن المصطلحات الدولية العسكرية أو السياسية التي لا تُطبق عادة، تقع عملية جلب مادورو أمام القضاء الأميركي، ضمن عدم فهم الحكام الأغبياء لقواعد اللعبة السياسية في العالم، وهي كما يبدو اليوم تشكيل العالم سياسياً واقتصادياً بقواعد جديدة تختلف عن قاعدة القطب الواحد واتفاقية بريتون وودز، ومحاربة الإسلام السياسي لأنه لم يقدم للغرب ما أُريد منه، أو تحت وطأة إرادة الشعوب التي بدأت تخشى على ثقافتها وقومياتها من التآكل، وتأكد لها بالدلائل أن الإسلام السياسي لا يتعايش.
ينفذ ما يقول
نحن أمام أقوى رئيس لأميركا تكمن قوته الشخصية في كونه لا يخشى الموت لدرجة أنه تعامل مع الرصاصة التي أصابت أذنه على أنها حشرة تطّن، كما أنه قاوم وطلب من حراسه الشخصيين إكمال خطابه بعد محاولة اغتياله الفاشلة، وهذا مثبت بالصوت والصورة!
هو رجل ينفِّذ ما يقوله مهما كان، ولا خطوط حمراء لديه سواء كانت دولية أو محلية أو من مستشاريه، وقد أعلن ترمب تحت وطأة الرعب من انهيار أميركا اقتصادياً وديموغرافياً وبالتالي سياسياً، عن مبدأ استعادة الولايات المتحدة للسيطرة على القارتين الأمريكيتين، أي أميركا الشمالية برمتها وحديقتها الخلفية، والوقوف بحزم أمام الهجرة غير الشرعية، علاوة على محاربة الترهل الاجتماعي والثقافي في المجتمع الأميركي بسبب سياسات رؤساء وحكام ولايات نشروا نفايات فكرية بكلمات براقة، ستخلق أجيالا لا تؤمن سوى بهذه النفايات الفكرية على أنها الحياة، وستؤدي عاجلا أو آجلا إلى سقوط أميركا من الداخل.
من نتائج هذه النفايات الهدّامة عدم تنفيذ حكام ولايات لمرسوم تهجير المهاجرين غير الشرعيين، وإيواء قضاة لهم في منازلهم، بحجة غريبة هي أن البلد قائم على الهجرة وأنه ملاذ المهاجرين شرعيين أو غير شرعيين! بل أن محافظ مدينة مهمة احتمت بلون بشرتها الأفريقي ووقفت أمام قائد قوة تنفيذ القانون وقالت له: أنت تتعدى على صلاحياتي.. إبتعد عني ثلاث خطوات وانت تتكلم معي!
النفاية الفكرية التي تحتمي بها حسب قانون المترهلين هي لونها، فإذا رفع قائد القوة صوته أو لم يجادل نفايتها الفكرية فمعناه أنه عنصري!
حديقة خلفية
لم يفهم مادورو ما يعنيه ترمب من استعادة السيطرة على أميركا الجنوبية، كما لم يدرك خطورة التمادي في جعل بلده حديقة خلفية لمصنعي المخدرات الصناعية الكبار خارج فنزويلا، ولمحدودية تفكيره رفض مرتين عرض ترمب بخروج آمن له مع أسرته، ولم يصدق داعمو مادورو أن ترمب سيجلبه أمام القضاء الأميركي بهذه الطريقة، فلم يدعوه أحد منهم لملاذ آمن، أو تجاهلوا طلبه في الهروب إليهم. لا أحد يعرف على وجد الدقة.
طريقة القبض على مادورو تؤكد أنه كان يعيش بطريقة كبار زعماء المخدرات، لأن وصول "قوات دلتا" بهذه الطريقة يعني أن الرجل كان من محبذي اسلوب حراسة تجار المخدرات، والحياة في "نفق فولاذي"، وهي لا ترقى إلى مستوى رئيس أو طريقة حراسة رئيس جمهورية، فسقط كتاجر مخدرات كيميائية.
سقط كتاجر جملة للمخدرات ومزرِّو محترف للإنتخابات، والقارىء خارج أميركا اللاتينية لا يعلم مصير من يقف أمام طغاتها، فهم لا يتوانون عن إغتيال أسقف معارض أثناء قداس بمدفع رشاش، كما حدث مع الأسقف أوسكار روميرو، ولا حرق ممتلكات المعارضين واغتصاب زوجاتهم. قبضة حديدية ينفذ رجالها الفظائع وهم يضعون صليبا كبيرا على صدروهم.
متكررة تاريخياً
بعض المحللين السياسيين الذين يتكلمون العربية يعتبرون أن جلب مادورو للقضاء الأميركي بهذه الطريقة بلطجة. بل أن أحدهم أعلن بثقة مفرطة أن ترمب قد قبض 50 مليون لدولار لتنفيذها لإنقاذ اقتصاد أميركا!
تناسوا تمامًا أكبر عملية خطف حمساوي جماعي لمواطنين عُزل من دول مختلفة ساندوها بأقلامهم، بل اعتبرها رجال يلبسون مسوح رجال الدين صحوة للأمة الإسلامية، فضلًا على أسم "طوفان الأقصى" الذي قيل عنها.
خلفاء خطفوا أخواتهم ليبعدوهم عن السلطة. عبد الناصر خطف رئيس جمهورية هو محمد نجيب ووضعه في الإقامة الجبرية بدون محاكمة. زين العابدين بن علي فعل الشيء نفسه مع بورقية، ولولا ثقل الأخير السياسي داخل وخارج تونس لحاكمه.صدام حسين هدد زعماء دول الخليج بالوصول إلى مخادعهم لو ساروا في طريق السلام مع السادات. انقلابات أعدمت ملوكًا. أبو محمد الجولاني كاد أن يفعلها مع بشار الأسد، لولا نصيحة مخابرات بوتن، وتأمين خروج آمن له وأسرته بطائرة روسية.
منطق القوي الذي يملك السلطة والجرأة والحماية لخدمة مصالحه الشخصية ليس إلا.
نحن أمام رئيس أقوى بلد عسكرياً في العالم حتى اليوم، ويملك كل ما سبق وأكثر، وسيفعل ما هو أكثر مرات كثيرة لمصلحة أميركا وليس مصلحته الشخصية، ولا يبالي بخطوط حمراء.
رئيس لا يعترف بمعاندة الكبار ومناكفتهم وضربهم ضربات سريعة مؤلمة، ضمن قواعد لعبة الأمم، لأن لديه أجندة سياسية ثقافية يريد بها إنقاذ أميركا من سقوط ثقافي وعلمي وصناعي واقتصادي وشيك، وسقوط مثل هذه القوة سيضع جيشها وقوتها النووية في خطر يهدد العالم وليس بقايا أميركا فقط، لو انهارت تحت وطأة نشر نفايات الأفكار وتخدير الشباب بمخدرات صناعية، لهدم أعظم دولة تشكلت في القرنين الماضيين.
رسالة عقلانية
يبدو أن رئيس فنزويلا الموقتة ديلسي رودريغرز بدأت تفهم قواعد اللعبة الأمريكية وموقع دولتها كما يجب أن يكون فيها، فوضعت على موقعها في التواصل الاجتماعي في صباح اليوم نفسه الذي بدأت فيه محاكمة مادورو "ندعو حكومة الولايات المتحدة للتعاون معنا في مُذَكِّرَة تعاون موجهة نحو التنمية المشتركة في إطار القانون الدُّوَليّ لتعزيز التعايش المجتمعي الدائم".











01/09/2026 - 17:08 PM





Comments