معتز فخرالدين
السؤال عن مخارج العالم العربي من أزماته ليس مجرد فضول فكري، بل اختبار لقدرتنا على قراءة واقعنا وفهم تراكمات عقود من السلطة والهويات الفرعية والاستبداد والفساد. وفي هذا الإطار، تظل أفكار الراحل الدكتور عبدالغني عماد مرجعًا حيويًا. فقد أشار في مقابلة مع جريدة القبس إلى أن تراكم السلطة الشخصية واستبعاد الديمقراطية كان سببًا أساسيًا في إفقار المشروع الوطني والفكري العربي، وجعل الدولة أداة للسيطرة بدل أن تكون إطارًا جامعًا للمواطنة.
إننا أمام سؤال مزدوج: ليس فقط كيف نخرج من الأزمات الاقتصادية والسياسية، بل كيف نعيد تأسيس وعي عربي قادر على مواجهة تراكمات السلطة المهيمنة، كما فعل عبدالغني عماد في تحليله للوعي الملتبس.
ما نعيشه اليوم هو حصيلة تراكم طويل من دول غير مكتملة، لم تُبْنَ بوصفها إطارًا جامعًا للمواطنة، بل كأجهزة سلطة وأدوات ضبط وهياكل ريعية هشّة. الدولة التي لا تقوم على القانون والمؤسسات، والتي تتحكم فيها الأجهزة الأمنية أكثر من البرلمان أو القضاء، تصبح تلقائيًا كيانًا قمعيًا في الداخل وعاجزًا أمام الخارج، كما أشار عبدالغني عماد. وبذلك، أي إصلاح لا يبدأ بإعادة تعريف الدولة ووظيفتها يبقى ترقيعًا مؤقتًا لانهيار مؤجل، ويكاد يكون مجرد تأجيل للأزمة لا علاجًا لها.
الفساد ليس خللاً إداريًا عابرًا، بل نمط حكم مؤسسي، والاستبداد هو الآلية التي تحمي هذا النمط. لذلك، الحديث عن مكافحة الفساد أو الديمقراطية الشكلية يصبح إعادة إنتاج للأزمة بأدوات جديدة. بدون مؤسسات حقيقية للمساءلة وفضاء عام مفتوح، ستظل الدائرة مغلقة، وسيستمر تحويل الدولة إلى جهاز سلطة يحمي مصالح نخبة محدودة على حساب المجتمع بأكمله.
الأزمة تتجاوز الدولة لتطال الفكر السياسي نفسه، فقد أفرزت الأيديولوجيات الكبرى تجارب فاشلة: القومية تحولت إلى غطاء سلطوي، التيارات الدينية خلطت بين الدعوي والسياسي وأنتجت نماذج إقصائية، والليبرالية بقيت نخبوية ومنزوعة الجذور الاجتماعية ومرتهنة للخارج. اليوم، ما نحتاجه ليس أيديولوجيا بديلة، بل عقلًا نقديًا يعيد التفكير في الدولة والسلطة والشرعية، بعيدًا عن التقديس أو التبرير، ويربط التحليل بالواقع الملموس.
حين يفشل الفكر، تتضخم الدولة على حساب المجتمع. إضعاف النقابات، تدجين الجامعات، والسيطرة على الإعلام، حول المواطن إلى كائن معزول والدولة إلى جهاز ضبط لا شريك اجتماعي. إحياء المجتمع المدني كفضاء للضغط والمساءلة والتنظيم ليس رفاهية، بل شرط لإعادة بناء الدولة والوعي معًا. الدولة الحديثة لا تُبنى ضد المجتمع، بل به ومن خلاله، كما أشار عبدالغني عماد: المواطن الحي هو الضمانة الحقيقية لأي مشروع نهضوي.
الأزمة الداخلية مرتبطة بموقع العالم العربي في النظام الدولي. التبعية المطلقة أو الانعزال الوهمي كلاهما طريق مسدود. المطلوب هو استقلال نسبي في القرار الوطني، يتحقق عبر تنويع العلاقات الدولية وربط الاقتصاد بالإنتاج الفعلي لا الريع، والانتقال من شعارات الوحدة إلى أشكال واقعية من التكامل العربي في الغذاء والطاقة والتجارة. فهنا، السيادة ليست شعارًا، بل قدرة تفاوض حقيقية.
التجارب الحديثة في العراق، سوريا، اليمن وليبيا تثبت أن المقاربات الأمنية لم تنتج سوى دول فاشلة وصراعات مفتوحة. القوة لا تبني شرعية، والاستقرار القسري يولّد حروبًا مؤجلة. السياسة، مهما بدت معقدة، تبقى أقل كلفة وأكثر استدامة من العنف الدائم، وهي السبيل الوحيد لتقليل الأزمات وبناء حل مستقر على المدى الطويل.
المثقف اليوم مطالب باستعادة دوره الطبيعي، ليس كناطق باسم السلطة ولا كشاهد زور باسم المعارضة، بل كفاعل نقدي يفكك السرديات السائدة، يفضح الزيف، ويعيد ربط المعرفة بالناس. المعركة اليوم هي معركة وعي بقدر ما هي معركة سياسة، امتداد مباشر لما دافع عنه عبدالغني عماد في نقده للوعي الملتبس، حيث يصبح الفكر أداة مقاومة وتحريك للتغيير لا مجرد مرآة تعكس الواقع.
أزمات العالم العربي ليست قدرًا محتمًا، بل نتاج تراكم طويل من الخيارات الخاطئة. الخروج منها لا يكون بانقلاب سريع أو وصفة جاهزة، بل بمسار تاريخي يبدأ بإعادة تأسيس الدولة على أسس المواطنة، مرورًا بمراجعة الفكر السياسي وبناء مجتمع مدني مستقل وفاعِل، وتحقيق استقلال نسبي في القرار الوطني، وربط القومي بالإنساني والحرية بالكرامة. إنها مواجهة مفتوحة بين دولة المواطنة ودولة الغنيمة، وأي تأجيل للحسم لا يعني سوى تعميق الانهيار ورفع كلفة المستقبل. وفي هذا الحوار المستمر مع أفكار عبدالغني عماد، يكون أفضل وفاء فكري له: ليس بتكرار تحليله، بل بمواصلة أسئلته، ومواجهة واقعنا، وإبقاء التفكير حيًا في زمن الانكسار والتأجيل، حتى لو كانت الخطوات جزئية وبطيئة. المعركة طويلة، لكن تحديد نقاط البدء الواقعية هو الطريق لإعادة الأمل وبناء المستقبل.











01/09/2026 - 07:28 AM





Comments