وِلَادَةٌ مِنَ الْأَلَمِ

12/28/2025 - 05:19 AM

Arab American Target

 

 

كنتُ كاتبًا… أرصدُ، أشرحُ، أحلِّلُ، أُسجّلُ الحياةَ في الكلمات.
واليوم… صرتُ راهبًا… أصلِّي، أصغي، أترك الرُّوح تتكلّم في صَمتِها.
لمْ يَعدْ الهدف فَهمُ العالم… بل فَهمُ نَفسي، واستنشاقُ اللَّه في داخلي.
ومن رحم الحروف صارت الصَّلاة، ومن صمت الألم صارت الولادة الحقيقية.
      
                      وِلَادَةٌ مِنَ الْأَلَمِ
 
أَلَمِي…
مُعَانَاتِي…
حِرْمَانِي…
جَهْلِي…
خَيْبَةُ أَمَلِي…
 
ظَنَنْتُهَا مَرْحَلَةً بَشِعَةً، عَاصِفَةً تَمُرُّ فِي حَيَاتِي، وَانْقَضَتْ.
لَكِنَّهَا لَمْ تَنْقَضِ…
لَقَدْ حَفَرَتْ فِيِّي جَذْرًا جَدِيدًا.
لَقَدْ أَفْرَغَتْ يَدَيَّ لِأَسْتَقْبِلَ مَا لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْل…
وَفَتَحَتْ فِي دَاخِلِي بِئْرًا لَمْ أَعْهَدْ لَهُ مَاءً.
 
كُنْتُ أَرْكُضُ خَلْفَ مَا ضَاعَ مِنِّي…
أَصْرُخُ خَلْفَ مَا حَرَمَنِي…
أُحَاوِلُ أَنْ أَمْلَأَ فَرَاغِي بِكَلِمَاتٍ…
لَكِنَّ كُلَّ كَلِمَاتِ الْعَالَمِ لَمْ تَرْوِ عَطَشِي.
 
حَتَّى جَاءَ الصَّمْت…
حَتَّى انفَجَرَ السُّكُون…
وَحِين سَكَتَتْ نَفْسِي عَنِ السَّعْيِ، وَجَدْتُ مَا كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ:
 
لَيْسَ الْعَالَمُ…
وَلَا النَّاسُ…
وَلَا الظِّلُّ الَّذِي كُنْتُ أُلَاحِقُهُ…
 
بَلْ نَفْسِي الْحَقِيقِيَّةُ.
الَّتِي كَانَتْ مَدْفُونَةً تَحْتَ الْأَلَمِ،
الْمُخْتَبِئَةُ خَلْفَ الْحِرْمَانِ،
الْمَخْفِيَةُ خَلْفَ خَيْبَةِ الْأَمَلِ…
 
وَهُنَاكَ، فِي جَوْفِي الْعَمِيقِ، شَعَرْتُ بِالْوِلَادَةِ:
وِلَادَةُ رُؤْيَةٍ…
وِلَادَةُ قَلْبٍ جَدِيدٍ…
وِلَادَةُ رُوحٍ تَتَنَفَّسُ اللَّهَ فِي دَاخِلِي أَكْثَرَ مِمَّا تَتَنَفَّسُ الْكَلَامَ.
 
لَمْ أَعُدْ أَبْحَثُ عَمَّا فَقَدْتُ…
لَقَدْ بَدَأْتُ أَكْتُبُ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ مِنْ جَدِيدٍ.
كُلُّ كَلِمَةٍ… كُلُّ حَرْفٍ… يَنْبِضُ بِالْأَلَمِ الَّذِي أَصْبَحَ نُورًا،
بِالْجِرَاحِ الَّتِي صَارَتْ طَرِيقًا،
بِالْخَوْفِ الَّذِي صَارَ انْطِلَاقًا.
 
الْيَوْمَ، أَكْتُبُ لِأَعِيشَ…
لَا لِأَشْرَحَ، لَا لِأُعَلِّمَ، لَا لِأُقْنِعَ…
أَكْتُبُ لِأَنَّ الرُّوحَ تَتَحَدَّثُ، وَالْيَدُ تَكْتُبُ، وَالْعَيْنُ تَرَى مَا لَمْ يُرَ مِنْ قَبْل.
 
وَهَكَذَا… مِنْ رَحِمِ الْأَلَمِ، وَمِنْ صَمْتِ الْحِرْمَانِ، وَمِنْ صَدْمَةِ الْخَيْبَةِ،
يُولَدُ الْإِنْسَانُ مِنْ جَدِيدٍ،
لِيَعِيشَ الْحَيَاةَ كَمَا لَمْ يَعْرِفْهَا مِنْ قَبْل…
حَيَاةً صَافِيَةً، حَقِيقِيَّةً، 
رُوحَانِيَّةً، صوفيَّةً، بِلَا أَقْنِعَةٍ.
 
خَرْبَشَاتُ طِفْلٍ – بِقَلَمِ الإِبْنِ الضَّالِّ … إِذَا تَابَ.
 
 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment