ربى أبو فاضل
في قلب المدارس اللبنانية، حيث يُفترض أن تُنمّى العقول على المعرفة والقيم المشتركة، يختبئ خطرٌ صامت لكنه بالغ الخطورة: "التطرّف الناعم". خطر لا يظهر في صورة عنف مباشر، بل يتسلّل بهدوء عبر اللغة والمفاهيم اليومية، ويُسوَّق تحت شعارات برّاقة كحرية التعبير وحرية الاعتقاد. أطفال يُعلَّمون أن الآخر خَصْم، وأن الاختلاف تهديد، فيما تتحوّل الصفوف، التي يُفترض أن تكون مساحة للتعلّم والانفتاح، إلى مختبرات لإعادة تشكيل عقول مهيّأة للانقسام والكراهية.
ففي بلدٍ ينصّ دستوره صراحة على العيش المشترك، يكفي فيديو واحد لتعرية هشاشة النظام التربوي وفضح تجاهل رسمي مزمن، يترك الأطفال فريسة سهلة لأفكار إقصائية. هكذا تتحوّل المدرسة، بدل أن تكون خط الدفاع الأول عن القيم المشتركة، إلى إحدى ساحات إنتاج الكراهيَة بصيغتها "الناعمة".
من داخل ثانوية "المناهج العالمية" في طرابلس، ظهرت تلميذات قاصرات يُعبّرن، عبر ميكروفون وكاميرا، عن رفضهنّ الاحتفال بعيد الميلاد، مستخدمات توصيفات دينية إقصائية، من بينها وصف المسيحيين بـ"الكفّار". هو مشهد صادم، وتكمن الخطورة المضاعفة في أن هذا الخطاب صدر عن قاصرات داخل مؤسسة تعليمية، ما يمنحه شرعية ضمنية في وعي الطفل. فالمدرسة، بوصفها سلطة معرفية وأخلاقية، لا تنقل المعلومات فقط، بل تعيد تشكيل منظومة القيم والانتماء. وحين تغيب الرقابة التربوية، يتحوّل التعليم من أداة بناء إلى قناة تطبيع مع الكراهية.
إدارة المدرسة سارعت إلى التنصّل من محتوى الفيديو، مؤكدة أن عملية التصوير جرت من دون علمها أو موافقتها، وأن ما ورد في الفيديو لا يُعبّر عن رسالتها التربوية أو قيمها، معلنة اتخاذ إجراءات مسلكية حيال الموظف عمر الأبطح الذي قام بتصوير ونشر المحتوى.
من جهته، دافع الأبطح عن موقفه، معتبراً أن ما قام به كان "جزءاً من التوعية الدينية"، مؤكداً أنه يُعلّم الأطفال "الدين وتقبّل الآخر"، لكنه يرفض "إخفاء العقيدة"، وأضاف: "الدين قبل الوطن".
في المقابل، عبّر أهالٍ وناشطون عن رفضهم لمضمون الفيديو، مطالبين بمحاسبة المسؤولين، خصوصًا أن الأمر يتعلّق بقاصرين. يقول أبو أحمد، والد لأربعة أطفال: "يمكننا تعليم العقيدة بطريقة تحترم الآخر وتقبله بدل تحويل الأطفال لقنابل موقوتة"، ويؤكد سميح أن "الاختلاف بين الأديان جزء من حكمة الخالق، وعلى كل شخص أن يلتزم بدينه دون الإساءة إلى الآخرين"، فيما تؤكد رشا وديما على أهمية غرس قيم الإنسانية والمحبة، معتبرتين أن الفرح والمساعدة للأطفال يجب أن يكونا بلا اعتبار للهوية أو الدين.

قضائيًا، أمر النائب العام الاستئنافي في شمال لبنان بفتح تحقيق رسمي، معتبراً أن نشر الفيديو قد يحمل عناصر تحريض تمسّ بالسلم الأهلي، ومكلّفًا الأجهزة المختصة جمع المعلومات لتحديد هوية من قام بالتصوير والنشر، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات المناسبة. ومع اتساع التحقيقات، جرى استدعاء عمر الأبطح للاستماع إلى إفادته، غير أن توقيفه أثار احتجاجات في طرابلس، حيث نُظّم اعتصام احتجاجي للمطالبة بإطلاق سراحه، معتبرين أن ما نشره يدخل في إطار "حرية التعبير الدينية". وبعد استكمال الإجراءات القانونية، تم الإفراج عنه.
ما ورد في الفيديو شكّل مادة قانونية حساسة، ليس من زاوية المعتقد الديني بحد ذاته، بل من زاوية مكان صدوره، وهويّة القاصرين، وطبيعة الخطاب المستخدم. وفي هذا السياق، أكّد مصدر قانوني فضّل عدم الكشف عن اسمه أن "الدستور اللبناني ينصّ في مقدمته (الفقرة ب) على أن لبنان 'وطن نهائي لجميع أبنائه'، ويؤكد في الفقرة (ي) التزامه مواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما تكفل المادة 9 حرية الاعتقاد، لكنها تربطها صراحة باحترام النظام العام. وعليه، فإن أي خطاب ديني يتضمّن إقصاء أو تحقيرًا لفئة دينية أخرى، خصوصًا داخل مؤسسة تعليمية، يخرج من إطار الحرية الفردية إلى نطاق الإخلال بالنظام العام والسلم الأهلي". وأضاف المصدر أن "المادة 317 من قانون العقوبات اللبناني تُجرّم كل عمل أو خطاب من شأنه إثارة النعرات الطائفية أو الحضّ على النزاع بين الطوائف، كما أن المادة 319 تُعاقب على الأفعال أو الأقوال التي تحضّ على الكراهية أو النزاع الديني. ورغم أن الخطاب صدر عن قاصرين، إلا أن المسؤولية القانونية والأخلاقية تقع على البالغين المشرفين، سواء من قام بالتصوير أو من سمح بحدوثه داخل الحرم المدرسي".
ويرى المصدر أن الإجراءات الأمنية قد تمنع تفجّرًا فوريًا، لكنها لا تمنع تكرار الظاهرة، مضيفًا أن الحلول الأكثر فاعلية تبدأ من:
• إصلاح المناهج: إدماج التربية على المواطنة، التعدّدية الدينية، والتفكير النقدي.
• تشديد الرِّقابة على الأنشطة الدينية داخل المدارس، خصوصًا الخاصة.
• تدريب المعلمين على مقاربة القضايا الدينية بحس تربوي لا تعبوي.
• دعم المناطق المهمّشة ببرامج تربوية ونفسية واجتماعية، لا أمنية فقط.
• إشراك الأهل في ورش توعية حول مخاطر الخطاب الإقصائي على الأطفال.
يُشار إلى أن لبنان وقّع على اتفاقية حقوق الطفل، التي تُلزم الدولة بحماية الأطفال من أي شكل من أشكال التحريض أو التمييز، وضمان تنشئتهم على قيم التسامح واحترام الآخر.
ويُحذّر خبراء في التربية وعلم النفس من أن أخطر أشكال التطرّف هو ذاك الذي لا يأتي على شكل عنف مباشر، بل يتسلّل تدريجيًا عبر اللغة والمفاهيم اليومية. فعندما يُلقَّن الطفل خطابًا يقوم على ثنائية "نحن مقابل هم"، أو يُقدَّم له الآخر بوصفه كافرًا أو مرفوضًا، تتشكّل لديه بنية ذهنية إقصائية قبل أن يمتلك أدوات النقد والتمييز. فما يُسمّى "التطرّف الناعم" لا يترك أثره فقط في الطفل الفرد، بل يمتد إلى المجتمع بأسره. فالأطفال الذين ينشؤون على هذا النمط من التفكير يصبحون أكثر قابلية، لاحقًا، لتقبّل خطاب العنف أو تبريره، خصوصًا في بيئات مهمّشة تعاني أصلًا من الإقصاء والفقر وغياب الدولة، كما هو حال مناطق واسعة في شمال لبنان.
ووفق تقارير اليونيسف، فإن الأطفال في البيئات المتأثرة بالفقر والنزاعات أكثر عرضة لتبنّي خطاب إقصائي، خصوصًا عندما يُقدَّم في إطار ديني أو هويّاتي مغلق.
وفي هذا الإطار، تشير الدكتورة سامية الحاج، اختصاصية علم نفس تربوي، إلى أن "غرس الكراهية والتعصّب منذ الصغر يُهيّئ الأجيال القادمة لنمط تفكير عدواني، ويزيد احتمال انخراطهم في صراعات مستقبلية".
يُشار إلى أنه حتى لحظة إعداد هذا التحقيق، لم يصدر عن وزارة التربية والتعليم العالي أي موقف رسمي واضح يشرح ما إذا كانت قد باشرت تحقيقًا إداريًا مستقلًا في ما جرى داخل الثانوية، أو ما إذا كانت قد فعّلت صلاحياتها الرقابية المنصوص عليها قانونًا.
وبحسب مصادر تربوية مطّلعة، فإن دور الوزارة غالبًا ما يقتصر، في حالات مشابهة، على طلب إيضاحات خطية من إدارة المدرسة المعنية، من دون إجراء تفتيش تربوي معمّق أو متابعة طويلة الأمد، خصوصًا في ما يتعلّق بمضمون الخطاب الديني غير المنهجي.
هذا الغياب يطرح علامات استفهام حول:
• مدى تفعيل دور التفتيش التربوي في المدارس الخاصة.
• غياب بروتوكولات واضحة للتعامل مع خطاب الكراهية أو التحريض الديني داخل المؤسسات التعليمية.
• الاكتفاء بردود فعل لاحقة بدل سياسات وقائية.
يشار إلى أنه في لبنان، لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة حول انتشار خطاب الكراهية داخل المدارس، وهو بحد ذاته مؤشر خطِر على غياب الرصد المؤسسي، في مقابل اعتماد الدولة على المعالجة الأمنية أو القضائية عند تفجر الأزمات.
حادثة ثانوية "المناهج العالمية" ليست قضية فرد، ولا فيديو عابر، بل جرس إنذار حول ما يزرع في عقول جيل كامل، فإما أن تبقى المدرسة مساحة لبناء الإنسان والمواطنة، أو تتحول، بصمت الوزارات المعنية، إلى مصنع لانقسام مجتمعي مؤجل.











12/25/2025 - 19:27 PM





Comments