تحليل اخباري من اعداد جورج ديب
برز في الآونة الأخيرة خلاف داخلي غير مسبوق داخل الحزب التقدمي الاشتراكي، تمثّل في التوتر بين رئيس الحزب النائب تيمور جنبلاط والنائب أكرم شهيب، أحد أبرز وجوه الحزب التاريخية. هذا الخلاف، الذي خرج إلى العلن مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي النيابي، أثار تساؤلات حول مستقبل الحزب، وتوجّهاته القيادية، ومدى قدرته على الحفاظ على وحدته الداخلية في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها لبنان.
جذور العلاقة بين جنبلاط وشهيب
لطالما اعتُبر أكرم شهيب من أعمدة الحزب التقدمي الاشتراكي، وواحداً من المقرّبين من الزعيم وليد جنبلاط. شغل مناصب وزارية ونيابية، وكان يُنظر إليه كصوت عقلاني ومخضرم داخل الحزب، يتمتع بثقة القاعدة الشعبية في منطقة عاليه، ويُعرف بعلاقاته الواسعة مع مختلف القوى السياسية اللبنانية.
أما تيمور جنبلاط، الذي تسلّم قيادة الحزب رسميًا بعد تقاعد والده وليد جنبلاط، فقد سعى إلى إحداث تجديد في بنية الحزب، من خلال ضخّ دماء جديدة في صفوفه، وتقديم وجوه شابة تعبّر عن رؤيته السياسية والاجتماعية المتجددة. هذا التوجّه، وإن كان طبيعيًا في سياق انتقال القيادة، إلا أنه اصطدم بحساسيات داخلية، أبرزها ما حصل مع شهيب.
الشرارة: استبعاد شهيب من الترشح
الخلاف تفجّر فعليًا عندما قررت قيادة الحزب عدم ترشيح أكرم شهيب للانتخابات النيابية المقبلة، واستبداله بمرشح جديد هو يوسف دعيبس. هذا القرار، الذي اتُخذ دون تنسيق مسبق مع شهيب، أثار استياءه واستياء عائلته، واعتُبر من قبلهم تهميشًا لدورهم التاريخي في الحزب والمنطقة.
رغم زيارة قام بها تيمور جنبلاط إلى منزل شهيب في عاليه، برفقة مسؤول الماكينة الانتخابية وليد صافي، إلا أن اللقاء لم يُفضِ إلى تسوية، بل زاد من وضوح التباين في الرؤى. شهيب تمسّك بموقفه، ورفض دعم مرشح الحزب الجديد، فيما أصرّ جنبلاط على قراره، معتبرًا أن الوقت قد حان لتجديد الوجوه.
أبعاد الخلاف: بين التنظيمي والسياسي
1. البُعد التنظيمي: تيمور جنبلاط يسعى إلى إعادة هيكلة الحزب التقدمي الاشتراكي، من خلال إدخال عناصر شابة، وتوسيع قاعدة المشاركة، وتخفيف الاعتماد على الشخصيات التقليدية. هذا التوجّه، وإن كان يحمل طابعًا إصلاحيًا، إلا أنه يصطدم بمراكز نفوذ تاريخية داخل الحزب، ترى في هذه الخطوات تهديدًا لدورها ومكانتها.
2. البُعد السياسي: الخلاف يعكس أيضًا تباينًا في الرؤية السياسية. فبينما يسعى تيمور إلى التموضع في موقع وسطي مستقل، بعيدًا عن الاصطفافات التقليدية، يفضّل شهيب الحفاظ على تحالفات الحزب التاريخية، خصوصًا مع قوى 14 آذار. هذا التباين في التوجّه السياسي يُترجم في المواقف من ملفات داخلية وخارجية، منها العلاقة مع حزب الله، والموقف من الأزمة السورية، والانفتاح على السعودية وفرنسا.
3. البُعد الشعبي: شهيب يتمتع بشعبية واسعة في منطقة عاليه، ويُنظر إليه كصوت موثوق لدى القاعدة الحزبية. استبعاده من الترشح أثار ردود فعل غاضبة في صفوف مناصريه، الذين رأوا في القرار تجاهلًا لتاريخهم وتضحياتهم. هذا الغضب قد ينعكس سلبًا على نتائج الحزب في الانتخابات، خصوصًا إذا قررت عائلة شهيب مقاطعة التصويت أو دعم مرشح مستقل.
موقف وليد جنبلاط
الزعيم التاريخي للحزب، وليد جنبلاط، لم يتدخل علنًا في الخلاف، لكنه بحسب مصادر مطلعة، يدعم توجهات نجله تيمور في تجديد الحزب. جنبلاط الأب يدرك أن المرحلة تتطلب تغييرًا في الأسلوب والخطاب، وأن الحفاظ على الحزب كقوة سياسية فاعلة يمرّ عبر تجديد بنيته التنظيمية. ومع ذلك، فإن جنبلاط الأب يدرك أيضًا حساسية العلاقة مع شخصيات مثل شهيب، ولذلك يُتوقع أن يلعب دورًا توفيقيًا في الكواليس، لتفادي انقسام داخلي قد يضعف الحزب في لحظة سياسية دقيقة.
تداعيات محتملة
1. على وحدة الحزب: إذا لم تُعالج الأزمة بحكمة، فقد تؤدي إلى انقسام داخل الحزب، أو على الأقل إلى تراجع في الحماسة الشعبية خلال الانتخابات. وهذا ما قد تستفيد منه قوى منافسة في الجبل.
2. على صورة تيمور جنبلاط: رغم أن قراره يعكس رغبة في التجديد، إلا أن طريقة التنفيذ قد تُفسَّر على أنها تفتقر إلى الحس التوافقي، خصوصًا في حزب اعتاد على التوازن بين القديم والجديد.
3. على التحالفات الانتخابية: الخلاف قد يُعقّد مفاوضات الحزب مع حلفائه التقليديين، خصوصًا إذا طُرحت أسماء بديلة لا تحظى بإجماع داخلي.
قراءة في السياق اللبناني الأوسع
الخلاف بين تيمور جنبلاط وأكرم شهيب لا يمكن فصله عن السياق اللبناني العام، حيث تعيش الأحزاب السياسية حالة من إعادة التقييم الذاتي، في ظل تراجع الثقة الشعبية، والانهيار الاقتصادي، وتبدّل أولويات الناخبين.
الحزب التقدمي الاشتراكي، كغيره من الأحزاب، يواجه تحديات تتعلق بقدرته على التجدد، واستيعاب التحولات الاجتماعية، ومخاطبة جيل جديد من الناخبين. وفي هذا الإطار، قد يُفهم قرار تيمور جنبلاط كجزء من محاولة لتأمين استمرارية الحزب، حتى لو تطلّب الأمر اتخاذ قرارات صعبة.
بين الوفاء والتجديد
يبقى السؤال المطروح: هل يمكن التوفيق بين الوفاء للتاريخ والرموز، وبين الحاجة إلى التجديد والتغيير؟
الخلاف بين تيمور جنبلاط وأكرم شهيب يختصر هذا التحدي. فالحزب التقدمي الاشتراكي يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن ينجح في إدارة انتقاله القيادي بسلاسة، أو أن يدخل في دوامة من الانقسامات الداخلية.
المطلوب اليوم ليس فقط قرارات تنظيمية، بل حوار داخلي صريح، يُعيد الاعتبار للتاريخ، ويمنح المستقبل فرصة للنمو. فالحزب الذي شكّل ركيزة أساسية في الحياة السياسية اللبنانية، لا يمكنه أن يفرّط برموزه، ولا أن يتجاهل تطلعات شبابه.
في النهاية، قد يكون هذا الخلاف فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الأجيال داخل الحزب، على قاعدة الشراكة والتكامل، لا الإقصاء والاستبدال. فلبنان، في هذه المرحلة الدقيقة، بحاجة إلى أحزاب قوية، موحّدة، قادرة على لعب دور وطني جامع، لا إلى مزيد من الانقسامات.
* من هو يوسف دعيبس
مرشّح الحزب التقدمي الاشتراكي عن المقعد الدرزي – قضاء عاليه
شخصية حزبية شابة وفاعلة، يتمتع بخبرة تنظيمية واسعة داخل الحزب التقدمي الاشتراكي. حائز على إجازة في الموارد البشرية وماجستير في العلوم المالية، وتدرّج في المسؤوليات الحزبية من العمل الطلابي إلى وكالة داخلية عاليه، وصولًا إلى عضوية الأمانة العامة للحزب. يُعرف بالتزامه، حضوره الميداني، وقدرته على التواصل مع مختلف فئات المجتمع. ترشيحه يعكس توجّه الحزب نحو تجديد الدماء وتعزيز دور الشباب في العمل السياسي.











12/25/2025 - 19:02 PM





Comments