الشراكة السعودية الأميركية كرست الرياض كوسيط دولي موثوق

12/24/2025 - 16:35 PM

Prestige Jewelry

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

كشفت إدارة الرئيس دونالد ترمب في 4 ديسمبر الماضي عن استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 ترسخ مبدأ أميركا أولا الركيزة الأساسية للسياسة الخارجية، تنتقد الوثيقة إدارات سابقة إهدار الموارد الأميركية في حروب لا تنتهي خصوصا في الشرق الأوسط، وتضع بدلا من ذلك تقاسم الأعباء مع الحلفاء، وهذا لا يعني الانسحاب من الشرق الأوسط لكن لم تعد أولوية استراتيجية كبرى خصوصا مع انحسار التصعيد في الملف الإيراني.

تقدم الوثيقة صورة جديدة عن الشرق الأوسط بعيدا عن الصورة القديمة كساحة منافسة بين القوى الكبرى، وتستبدل هذه النظرة القديمة بتعزيز نظام لوكاس وفق مفهوم تقاسم الأعباء إذ يمكن نقل التكنولوجيا لتطوير القدرات الذاتية ضد التهديدات المشتركة، فيما تراه مكانا للشراكة والصداقة والاستثمار ومحورا لفرص اقتصادية في مجالات كثيرة، وتنص الوثيقة بشكل صريح على تعزيز التعاون والشراكة مع السعودية، وهي استراتيجية تقوم على تحول جذري في أولويات سياسة واشنطن الخارجية تقوم على نقل وإعادة تركيز القوة من الساحة العالمية إلى الجوار الإقليمي، وهي رؤية أمريكية خارجة عن المألوف.

أثارت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية صدمة في أوروبا والتي تؤسس لتغيير جذري في عقيدة واشنطن الخارجية لم تعد فيه القارة العجوز أولية استراتيجية، وما كان يثار أو يهمس خلف الأبواب المغلقة أماطت اللثام عنه وأصبح معلنا بشكل رسمي، ستكون له تداعيات على عدد من الملفات الاستراتيجية المهمة بالنسبة لأوروبا كالحرب في أوكرانيا على سبيل المثال لا الحصر، هذه المخاوف مع الاستراتيجية الأمنية الأميركية الجديدة، التي تكشف أن سياسة واشنطن تشمل تقويض الحكومات الأوروبية، وإضعاف الاتحاد الأوروبي برمته، ومنع توسيع حلف الناتو، وبدلا من معاملة الحلفاء الأوروبيين كشركاء يقتسمون مع الأمريكيين قيما مشتركة، تفضل إدارة ترمب أن تجعلهم قريبين من نموذج المجر.

شكلت المواقف السياسية السعودية خلال عام 2025 تكريسا لمصالح السعودية التي تضمنت تموضعها كوسيط دولي موثوق للقوى العظمى، وبشكل خاص في مواصلة الدفع نحو حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية، وواصلت السعودية مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية في المنطقة، مؤكدة عبر سلسلة من المواقف المتتالية على رفض الإجراءات الإسرائيلية التي تجاوزت الحرب في غزة لتصل إلى انتهاكات سيادة عدد من الدول منها سوريا وقطر وإيران، بجانب مواجهة تصفية القضية الفلسطينية.

برزت القمتان السعودية الأميركية خلال الزيارتين التاريخيتين، الأولى في مايو للرئيس الأمريكي إلى الرياض، والثانية للأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في نوفمبر 2025، لتكشفا بشكل جلي مكانة دولية استثنائية تتمتع بها الرياض في 2025، واعتبر الرئيس ترمب أثناء زيارته السعودية بان الأمير محمد بن سلمان ولي العهد أفضل من يمثل حلفاءنا الأقوياء، واعتبر قيادته للشرق الأوسط بمثابة فجرا رائعا باعتبار أن السعودية قلب ومركز العالم والرياض في طريقها لتصبح مركز أعمال العالم بأسره، بل اعتبر السعودية حليفا رئيسيا خارج الناتو منوها بقدرات السعودية التفاوضية وأنهم مفاوضون رائعون.

تحركات التغيير الجذري في الملف السوري الذي أدهش العالم نتيجة الدور السعودي الفاعل لدعم هذا التحول بما انعكس على تعافي سوريا والاعتراف الدولي بقيادتها الجديدة ودعمها أيضا، واستجاب الرئيس ترمب أثناء زيارته للرياض الاستجابة لطلب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان برفع عقوبات قيصر على سوريا، إضافة إلى تسديد الديون المستحقة على سوريا للبنك الدولي بنحو 15 مليون دولار، علاوة على تغطية جزء من رواتب موظفي الحكومة عبر مبادرة مشتركة مع قطر والأمم المتحدة.

على المستوى الدولي استضافت السعودية في الدرعية في فبراير 2025 محادثات بين الولايات المتحدة وروسيا برعاية سعودية لتحسين العلاقات بين البلدين اعتبرت أمريكا هذه الاستضافة بأنها خطوة مهمة إلى الأمام، فيما اعتبرتها روسيا محادثات ناجحة، إلى جانب استضافة جدة في مارس مباحثات أميركية أوكرانية برعاية الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، حتى أن المتحدث الإقليمي لوزارة الخارجية الأميركية بقوله إن العالم أصبح أقرب من أي وقت مضى إلى التوصل لوقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا بعد المفاوضات السعودية.

 ساهمت الوساطة السعودية في مايو 2025 احتواء التوتر بين باكستان والهند وشدد احمد فاروق سفير باكستان لدى السعودية على ان السعودية لعبت دورا حاسما في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، وقد انخرطت السعودية بشكل فاعل منذ البداية، وقامت بدور الوسيط، واعتبر أحمد فاروق أن جهود السعودية في بناء السلام في العديد من النزاعات الدولية برهان على نفوذ قيادتها المتزايدة، والاحترام الذي تحظى به داخل المنطقة وخارجها، كما تؤكد هذه الجهود أن السعودية هي قوة خير تقود من الأمام في تعزيز السلام حول العالم.

ووفق المعهد الأطلسي بان التعاون الدفاعي بين واشنطن والرياض شراكة عملية ومصالح مشتركة أكثر منها تبعية، وهذا التعاون لا يقتصر على صفقات السلاح، بل يتضمن تبادل معلومات استخباراتية، وتنسيقا تكتيكيا في حماية الممرات البحرية، وجهودا مشتركة لبناء قدرات دفاعية داخلية لدى السعودية.

أثناء زيارة الأمير محمد بن سلمان لواشنطن لعب دورا في إقناع ترمب بضرورة وقف الحرب في السودان، الأمر الذي دفع واشنطن لزيادة انخراطها لوقف الحرب، وفي ديسمبر 2025 على خلفية التحركات العسكرية التي قام بها الانتقالي الجنوبي قي محافظتي حضرموت والمهرة شرقي اليمن أرسلت السعودية وفدا أمنيا برئاسة اللواء محمد القحطاني أكد ان السعودية تقود تحالف دعم الشرعية، تبذل جهودا لإنهاء الأزمة وحل الصراع وعودة الأوضاع إلى سابق عهدها.

السعودية عززت قدراتها الدفاعية بدبلوماسية رصينة رسختها بمواقف أكسبتها القطعية، وهي دبلوماسية متوازنة مرنة وتعددية، تجمع بين القوة الناعمة والقوة الصلبة، مع التركيز على التوازن بين القوى العالمية والمبادرات الإنسانية، مدعومة بقدرات احترافية لتعزيز مكانة السعودية كمركز عالمي مؤثر.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا

            [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment