اميرة العسلي
أوقفوا عبادة الأصنام
أنا هنا لا أعني بعبارة "عبادة الأصنام" أيّ موضوع يتعلق بالدين، إنما أقصد أصنامًا من البشر، أولئك الذين هم أرباب الأحزاب والأموال، والذين يُعبدون من قبل أتباعهم دون وعي، وكأنهم تحت تأثير سحر (وباطل عمل السحر والساحر).
نشأ المجتمع اللبناني على القول الشعبي: "شدّة وتزول، وما بعد الضيق إلا الفرج". فأين نحن في لبنان من هذا القول، فيما يكاد الشعب اللبناني بأكمله يزول، والشدة لا تزول؟ من الصعب جدًا أن ينتظر الإنسان الفرج في المجهول، فيما تكاد الأمور أن تصبح واقعًا هزّازًا كالكرسي الهزّاز الذي يخشاه الحكّام في بلادنا، لأنهم لا يحبّون الاهتزازات، بل يريدون واقعًا ثابتًا يثبتهم في نفوذهم وحكمهم، لا يهتز ولا يزول.
أصبح الشعب في لبنان هو الحاكم بأمر الله، وكذلك هو المحكوم بشريعة الله! لبنان هو الحاكم بأمر الله كبلد مستقل، وهو المحكوم بأمر الشعب المحكوم، فلا حاكم ولا محكوم. لعلّ ما أقوله يبدو وكأنه لغز لا تفسير له، أو أحجية بحاجة لتفسير، لكنها واضحة جدًا إذا حاولنا أن نفهم نظام الدولة اللبنانية، شعبًا وحكامًا.
فالشعب هو الواحد، الشعب، أما الحكّام فهم عدة حكّام. فإذا حاولنا تقسيم الشعب على الحكّام، لوجدنا أن انقسام الشعب هو من الأرقام الفردية، ولا يجوز انقسامه: إما ظالم أو مظلوم. كمن يحاول أن يقسم ثلاث جواهر أو ألماسات بالتساوي بين شخصين، فإما أن يأخذ أحدهما جوهرتين ويأخذ الآخر جوهرة واحدة، وهذا ليس من العدل. وإذا أردنا أن نقسم الجوهرة الثالثة بالنصف، تضيع قيمتها الثمينة وتفقد ثمنها الباهظ. أما إذا ألقينا الجوهرة الثالثة في البحر لتجنّب الخلافات بين المقتسمين، لئلا تصل العداوة بينهما، وكي لا تصل الأمور إلى قاتل أو مقتول، هنا نتذكّر من قال: "العدو أمامكم والبحر من ورائكم"، لكن النبي موسى عليه السلام استطاع بفضل ربه أن يشق البحر نصفين وينقذ لبنان... حبّذا لو عاد النبي موسى عليه السلام، ربما وجد حلًا لهذه المعضلة.
أين نحن الآن من العدالة؟ وأين نحن من المصداقية السياسية بين حكّام العالم وأصحاب النفوذ، وأصحاب هوايات جمع المليارات والنفوذ والسلطان؟
لبنان اليوم مهدّد من الداخل، ومن الحدوديين جنوبًا وشمالًا، وهو على وشك أن ينقسم عموديًا وأفقيًا. لا نريد أن يتحوّل لبنان إلى ساحات قتال، ولا أن تصبح المطارات منفذ النجاة الوحيد، ولا أن تكون سفن التهريب في البحار مشاريع محفوفة بالمخاطر وشبه انتحار.
أين المفر؟ ومتى تزول الشدّة بعد الضيق؟ السؤال الأكبر: هل عاد قياصرة التاريخ ليتجسّدوا في زعماء هذا العصر؟ وهل أرسل الله تعالى آياته على الزعماء مجددًا لاحتلال البلاد الصغيرة والأكثر ضعفًا، لبناء إمبراطوريات مستحدثة باسم الدين وتحت شعارات الأنبياء؟ علمًا بأن الأنبياء لا يحتاجون من أحد دعمًا أو مساعدة، لأن الله الذي أرسلهم هو كفيل بهم. هذه كذبة صدّقها قائلها، ونسي نفسه أنه بشر وضيع، وأن من خلقه بيده أخذ بناصيته، شاء من شاء وأبى من أبى!
اليوم، لبنان مهدّد من طرف إسرائيل، بزعمهم أنهم يحتسبون خطر حزب الله على أمنهم. ولكن، قبل ظهور حزب الله، هل كانت لإسرائيل حمامة سلام ترفرف فوق الجنوب؟ كما رفرفت حمامة الشاعر أبو فراس الحمداني حين قال:
"وقد ناحت بقربي حمامةٌ
أيا جارَةَ، هل تشعرينَ بحالي؟
معاذَ الهوى، ما ذُقتِ طارقةَ النوى
ولا خطرتْ منكِ الهمومُ ببالِ،
أيضحكُ مأسورٌ وتبكي طليقةٌ
ويسكتُ محزونٌ ويندبُ سالي؟
لقد كنتُ أولى منكِ بالدمعِ مُقلةً
ولكنّ دمعي في الحوادثِ غالِ"
علمًا بأن أبا فراس هو من أصل عراقي، عاش في سوريا، في حلب والشام. ربما ألهمه الله بما سيحلّ في بلاده بعد عصور ودهور، فألهمه هذا الشعر المعبر عن حال بلاده وجيرانها فيما بعد...
وانتظروا... إنّا منتظرون.
لقد تعوّد الشعب اللبناني على الصبر والانتظار، وأرجو أن تكون هذه المرة النتائج لصالح الشعب الذي لا يعرف لليأس طريقًا.











12/22/2025 - 18:43 PM





Comments