د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
أحيانا التاريخ يعيد نفسه، الصراع بين الرفاق في جنوب اليمن عام 1986 والمعروف بحرب 13 يناير كان صراعا دمويا على السلطة داخل الحزب الاشتراكي باشتباكات بين فصيل الرئيس علي ناصر وفصيل عبد الفتاح إسماعيل نتج عنه مقتل قيادات كبيرة وتدمير المدينة وتهجير الآلاف استمر القتال نحو 12 يوما وهروب علي ناصر إلى الشمال معه نحو 60 ألف أدت الحرب إلى تفاقم الانقسامات سبق أن أودع أول رئيس لليمن ومؤسسها قحطان الشعبي السجن على غرار ما حدث لمحمد نجيب اول رئيس لجمهورية مصر.
كان لهذا التوتر بعد جغرافي حيث إن الرئيس عبد الفتاح إسماعيل تعود جذوره إلى منطقة الحجرة في شمال اليمن ولم يكن جنوبي الأصل، وكان القادة ذوي الأصول الجنوبية يبدون امتعاضا من تعاظم نفوذ الشماليين في الجنوب ومن بين المتذمرين علي ناصر ووزير الدفاع علي عنتر، فكان عبد الفتاح إسماعيل متحمس لإقامة وحدة مع الشمال، فيما يخشى القادة الجنوبيون من ابتلاع الشمال للجنوب، فتم نفي عبد الفتاح إسماعيل إلى موسكو، وعين علي ناصر رئيسا، كانت مقدمة للمذبحة الكبرى في 1986 وقبل الانقلاب بأيام عاد عبد الفتاح إسماعيل إلى عدن وما حدث ليس انقلابا بل مجزرة.
وكانت الحكومة الماركسية في جنوب اليمن، رغم عدم شعبيتها فإنها أحكمت قبضتها، واتخذت في عام 1970 إجراءات لتقسيمات إدارية تهدف لمحو الهوية القبلية، وتمنع السكان في المحافظات الست المكونة للدولة من استعمال ألقابهم القبلية.
تأسس حلف قبائل حضرموت عام 2013 وهو احد أبرز القوى المعارضة للمجلس الانتقالي الجنوبي، ويسعى الحلف إلى تطبيق الحكم الذاتي في محافظة حضرموت، وفي نفس عام التأسيس اغتيل ابن حبريش مما شكل نقطة انعطاف حاسمة، وفي 2014 جرى التوافق على تولي المقدم عمرو بن علي حبريش العليي رئاسة الحلف، فيما تشكل المجلس الانتقالي الجنوبي في عام 2017 ويطالب بانفصال جنوب اليمن عن شماله وإعادة الأوضاع إلى ما قبل الوحدة اليمنية في 1990 بين دولتي الشمال والجنوب سابقا، وشكل حلف قبائل حضرموت 6 ألوية عسكرية تضم 35 ألف مقاتل تنتشر في مناطق الساحل والهضبة والوادي والصحراء لتعزيز السيطرة الميدانية في المناطق الخاضعة لسلطته، أدت إلى صراع في عامي 2024 و 2025 وتم منع وصول الوقود المنتج محليا إلى كهرباء المحافظة والحكومة في عدن بسبب تجاهل السلطات مطالب الحلف.
وفي ديسمبر 2025 تطور الصراع بشكل ملحوظ عقب دفع المجلس الانتقالي الجنوبي بتعزيزات عسكرية تدعى قوات الدعم الأمني يقودها أبو علي الحضرمي مؤكدا أن مصير حضرموت مرتبط بما أسماه الجنوب العربي وما يقوم به عمرو بن حبريش في هضبة حضرموت هو عمل مدان متوعدا بقطع الامدادات العسكرية عن قوات حماية حضرموت التابعة للحلف والمتمركزة في الهضبة، وعقب هذه التصريحات دفع المجلس الانتقالي بقوات عسكرية من محافظة شبوة إلى حضرموت، واستنكر الزعيم القبلي بن حبريش استقدام ألوية وقوات من خارج المحافظة في إشارة إلى قوات الانتقالي وأكد ان حضرموت نموذج في الأمن والاستقرار وتشيد بها مختلف القيادات والجهات.
كانت دوافع عملية التوسع المفاجئ لقوات الانتقالي الجنوبي أمنية كطرف في الشرعية لتأمين مناطق تزود الحوثي بما يحتاج إليه من السلاح الإيراني، لكنها تحولت إلى استعادة دولة الجنوب العربي المعترف بها قبل الوحدة في 1990 في إجراء يكشف عن تصعيد جديد في خطوات المجلس الماضي في مشروعه، مستثمرا شرعية تحركه على الأرض من كونه طرفا مهما في الشرعية والقوى المناهضة للحوثي، ويقدم نفسه خصما لها وصاحب الحق الحصري في تمثيل الجنوبيين، وهو تناقض يضعه في موقف للتساؤل عن حقيقة أهدافه، لكنه لا ينفك عن استخدام المناورة حتى لا يدخل في مواجه مع السعودية، لكنه يسعى للتحشيد الجماهيري المطالب بتقرير مصيره كورقة ضغط لتبرير موقفه العسكري لكسب تأييد إقليمي ودولي، وبشكل خاص يعزز مشروعه التوسعي في حضرموت والمهرة اللتان تشكلان نصف مساحة اليمن ضمن بقعة غنية بالنفط والثروات.
هذا المشروع تراه السعودية يتناقض تماما مع منظومات المرجعيات السياسية ومع مصالح اليمن والدول المجاورة والدولة الراعية للقضية اليمينة، مستثمرا الانتقالي الظروف الدولية المنشغلة في قطاع غزة وفي السودان وفرض الأمر الواقع بشكل آحادي حتى أصبح مصطفا إلى جانب التعنت الحوثي تجاه إصراره على حكم اليمن، وكي لا تحدث حرب أهلية بين قوات الانتقالي وقوات حلف تحالف القبائل في حضرموت الذي أعلن عن المقاومة، كان على السعودية ان ترسل وفدا أمنيا من أجل التهدئة، ووقف التصعيد، خصوصا مع وجود رفضا محليا واسعا للانتقالي الذين يعولون كثيرا على السعودية وعلى الجهود الحثيثة التي تبذلها، هذا إلى جانب أن حضرموت تحظى بمكانة تاريخية مع السعودية وموقعها الحساس، وسبق أن نجحت في نزع فتيل التوتر بعدما توصلت لاتفاق بانسحاب قوات الانتقالي واحلال قوات درع الوطن الموالية للحكومة الشرعية التي يصل عددها إلى 45 ألف تابعة لرئيس الشرعية الدكتور رشاد العليمي تشكلت في عام 2023، الذي أبرم بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي خلال عام 2019 عقب سيطرة الانتقالي على العاصمة المؤقتة وبهذا أصبح الجنوب اليوم مسرح عمليات.
توسع نفوذ الانتقالي على مناطق استراتيجية جديدة حضرموت والمهرة التي تشهد منذ عامين تحشيد متصاعد بعد نشر الانتقالي قوات الدعم الأمني في مناطق ساحل حضرموت قوبل باحتجاج محلي خصوصا من قوات حماية حضرموت وحلف قبائلها، ما يحدث اليوم غزو عسكري لفرض مشروع سياسي آحادي، فيما أبناء حضرموت يرفضون مشاريع بالقوة، وهو سلوك يقع خارج نهج الشرعية، إضافة إلى المجتمع الدولي الذي يرفض هذا القرار الأحادي، خصوصا وان هذا الغزو رافقه نهب الأراضي والآليات والممتلكات واعتقلت المعارضين وقتلت أفراد من قوات المنطقة العسكرية الأولى رغم لديهم أوامر بعدم المواجهة والانسحاب.
ما بعد هذا الغزو لمناطق آمنة ليس كما قبلها لأن السعودية ترى أن هذا الغزو تحد للشرعية التي تقوده وترعاه وتنفق عليه، وأن هذا الغزو قفز على الاتفاقات للقضية الجنوبية لوجود اتفاق وطني لقوى الشرعية يقضي بأن حل القضية الجنوبية يكون عقب استعادة الدولة من قبضة الحوثيين تحت مظلة الأمم المتحدة ضمن تسوية شاملة في اليمن باعتبار أن السعودية تتحرك بمنطق الدولة لا بمنطق بعض الدول التي تتحرك بمنطق الوكلاء والشبكات، وترفض السعودية المساس بالشرق باعتبار أن حضرموت عمق أمني للسعودية، وترفض حروب النفوذ الدموية، والبحث عن البدائل لملئ الفراغ بسبب ان الشمال لا حسم ولا انهيار.
السعودية لا تبحث عن تابعين بل تتطلع إلى يمن مجاور قوي مستقر وسيد قراره، لأن نهوضه هو الضمانة الحقيقية لاستقرار اليمن والإقليم ودمجه في المنظومة الإقليمية.
لن تقبل السعودية أن يسيطر الانتقالي على ممرات بحرية استراتيجية من المهرة إلى خليج عدن وباب المندب، خصوصا إذا طبع الانتقالي مع إسرائيل، ووفق صحيفة تايمز البريطانية فإن الانتقالي أرسل وفدا لإسرائيل طالبا دعم إسرائيل له لإقامة دولة في جنوب اليمن من اجل أن ينضم إلى الاتفاقية الإبراهيمية تكون إسرائيل شريكا جديدا في البحر الأحمر إلى جوار السعودية، وهو ما تعتبره السعودية خطوطا حمراء، وبذلك يكون الانتقالي كيان لا يمثل الجنوب ولا الشرق وهو يقوم بدور وظيفي لإضعاف الشرعية بل لإنهائها، تعتبرها السعودية مغامرات تصطدم بها وتحديا لها التي تضع خطوط حمراء ولن تقبل سيطرة الانتقالي المطبع مع إسرائيل من المهرة إلى خليج عدن وباب المندب مهما كان الثمن.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا











12/22/2025 - 18:23 PM





Comments