لا سلامَ في العالمِ من دونِ الميلاد

12/22/2025 - 09:31 AM

Prestige Jewelry

 

 

الدكتور الاب نبيل مونس *

لا يمكن الحديث عن السلام في عالمنا المعاصر من دون العودة إلى سرّ الميلاد، حيث وُلد الرجاء، وتجسّد معنى المصالحة بين الله والإنسان. فالميلاد ليس ذكرى عابرة، بل حدث مؤسِّس، لا سلام من دونه، ولا معنى للإنسان من غيره.

في هذا السياق، يكتسب مجيء ممثّل المسيح على الأرض، قداسة البابا لاون الرابع عشر، إلى لبنان، بُعدًا يتجاوز الزيارة البروتوكولية. لقد كان حدثًا روحيًا وتاريخيًا تخطّى الجغرافيا، وارتفع بالمعنى إلى قمم الروح، حاملًا رسالة سلام في زمن يئنّ تحت وطأة العنف والقلق والظلم.

منذ سقوط الإنسان الأول، لا يزال الموت والخوف والجوع والحروب تهدّد كرامة البشر. ومع ذلك، لم يتوقّف الله عن مناداة الإنسان ودعوته إلى تحمّل مسؤوليته تجاه أخيه الإنسان، وإلى العودة إلى جوهر رسالته الأولى: السلام.

وفي زمن الميلاد هذا، جاء صوت البابا واضحًا: دعوة إلى المسؤولين للإصغاء إلى أصوات شعوبهم المتعطّشة للسلام، وإلى الذين راهنوا على القوّة والعنف للتخلّي عن أوهام السيطرة، والتقدّم نحو منطق الحوار ومائدة السلام.

لقد تنبّأ النبي أشعيا قبل تسعة قرون بمجيء «أمير السلام»، فتمّ الوعد. شهد له نجم المشرق، وسجد له المجوس، وبشّر به الملاك، حتى تجلّى مجد الله في ليلة الميلاد، وردّدت السماء نشيدها الخالد:

«المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام».

اليوم، هذه الرسالة موجّهة إلى الجميع من دون استثناء: إلى المؤمنين وغير المؤمنين، إلى المقيمين والمهجّرين، إلى الشرق والغرب. فالسلام ليس حكرًا على شعب أو ثقافة، بل عطية إلهية معروضة على كل إنسان.

ومن قلب المشرق العربي، حيث وُلدت كلمة السلام، تتجدّد الدعوة إلى حمل هذه البشارة إلى العالم، وإلى استعادة دور هذه الأرض كجسر لقاء لا كساحة صراع.

المسيح هو الألف والياء، البداية والنهاية. قد تزول الأنظمة وتتبدّل الأزمنة، لكنّ كلمة واحدة من سلامه لا تزول. وفي انتظار المجيء الثاني، يبقى الميلاد دعوة مفتوحة لكل إنسان للعودة إلى أعماق الله، حيث السلام الحقيقي الذي لا يزول.

 

* الأب نبيل مونس هو أحد أبناء الكنيسة المارونية، وُلد ونشأ في لبنان، وتلقّى تكوينه اللاهوتي والفلسفي في المعاهد الكنسية، حيث أظهر منذ بداياته اهتمامًا عميقًا بالفكر المسيحي والهوية المشرقية.

• خدم في عدة رعايا مارونية داخل لبنان وخارجه، ويُعرف اليوم كخادم رعية سيدة لبنان في ولاية اوكلاهوما الاميركية، حيث يواصل رسالته الرعوية والروحية في خدمة الجالية اللبنانية والمارونية في الاغتراب.

• يؤمن الأب مونس بأن السلام لا يمكن أن يتحقق من دون العودة إلى جوهر الميلاد، حيث تتجلى المصالحة بين الله والإنسان. ويُشدّد على أن رسالة الكنيسة اليوم هي أن تكون صوتًا صارخًا في وجه الظلم، وداعية إلى الحوار والرجاء.

 

 

 

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment