معتز فخرالدين
أثار مشروع قانون «الفجوة المالية» ضجّة واسعة في أوساط المودعين، صغارًا وكبارًا، أولئك الذين وثقوا بالمصارف وبحاكم مصرف لبنان. القانون، بصيغته الحالية، لا يعيد ثقة المستثمر الأجنبي، ولا المغترب اللبناني، ولا المواطن بقطاعه المصرفي، ولا حتى بثقته بدولته. إنه قانون نهب مُشرعن باسم الدولة، وفصل جديد في سيرة الدولة المؤجَّلة.
أودع المودعون مدّخرات أعمارهم التي جنوها على مدى سنوات طويلة من الكدّ والتعب، في صحاري الغربة ومجاهلها، استنادًا إلى وعود رسمية بأن النظام المصرفي آمن، وأن مصرف لبنان ضامن، وأن الدولة تقف خلف تعهّداتها. اليوم، يشعر هؤلاء بالغبن والخيانة، إذ لا تعبّر الضجّة المثارة عن خوفٍ على الودائع فحسب، بل عن انهيار ما تبقّى من الثقة بين المواطن والدولة.
الانهيار لم يكن حادثًا عرضيًا أو خطأً تقنيًا، بل نتيجة مباشرة لمسؤوليات واضحة تتحمّلها الطبقة السياسية بكل حكوماتها المتعاقبة، وحاكم مصرف لبنان الذي أدار السياسة النقدية بوعيٍ كامل لمخاطرها، والمصارف الجشعة التي تصرّفت بأموال المودعين كأنها ملكٌ خاص، بلا وازعٍ قانوني أو أخلاقي، ولا أيّ ضمير مهني. ووسط ذلك، راكم سياسيون ومصرفيون ومحظوظون ثروات على حساب المودعين، مستغلّين النظام لمصالحهم الخاصة.
من التقنية إلى السياسة
في الجلسة الحكومية المرتقبة، ستُقِرّ الحكومة مشروع قانون «الفجوة المالية»، تمهيدًا لإحالته إلى مجلس النواب. للوهلة الأولى، يبدو الأمر إجراءً تقنيًا لا بدّ منه لإدارة الانهيار المالي غير المسبوق. غير أنّ التمعّن السياسي والفكري في هذا المشروع يكشف أنه ليس مجرد قانون أرقام، بل حلقة جديدة في مسلسل «الدولة المؤجَّلة»؛ الدولة التي تؤجّل الاعتراف بمسؤولياتها، وتؤجّل العدالة، وتؤجّل إعادة تأسيس نفسها.
الفجوة ليست مالية فقط
الفجوة التي يتحدث عنها المشروع ليست محصورةً بما بين موجودات مصرف لبنان والتزامات القطاع المصرفي، بل هي فجوة أعمق وأخطر:
• فجوة بين القرار والمسؤولية.
• فجوة بين الدولة بوصفها ضامنًا للحقوق، والسلطة بوصفها أداة لإدارة الأزمة.
• فجوة بين مواطنٍ دُعِيَ إلى الثقة بالنظام، ونظامٍ تخلّى عنه عند أول اختبار.
حين تُعرَّف الأزمة على أنها «فجوة مالية»، يُختَزل الانهيار إلى مسألة محاسبية، ويُجرَّد من سياقه السياسي: السياسات النقدية الخاطئة، التحالف العضوي بين السلطة والمصارف، وغياب أيّ مساءلة فعلية طوال عقود.
من إدارة الانهيار إلى تشريعه
ما يُطرح اليوم لا يهدف إلى معالجة أسباب الانهيار، بل إلى إدارته وتشريعه؛ أي تحويل ما جرى إلى نهبٍ مُشرعن بقانون، يُقفل باب المحاسبة ويفتح باب تحميل الخسائر لمن لا قدرة لهم على الدفاع عن حقوقهم.
بهذا المعنى، يصبح قانون الفجوة المالية قانونًا سياسيًا بامتياز، مهما حاول أن يتخفّى بلغة تقنية. فهو يحدّد مسبقًا:
• من سيدفع الثمن.
• من سيُحمى.
• ومن سيبقى خارج أيّ مساءلة.
الدولة المؤجَّلة… مرة أخرى
في مقالٍ سابق عن «الدولة المؤجَّلة»، جرى توصيف واقع الدولة اللبنانية بوصفها دولة تؤجّل نفسها باستمرار: تؤجّل الإصلاح، تؤجّل العدالة، وتؤجّل بناء عقدٍ اجتماعي جديد. واليوم، يأتي قانون الفجوة المالية ليشكّل الترجمة التشريعية الأوضح لهذا التأجيل.
فبدل أن يكون مدخلًا لإعادة بناء الدولة على أسس الشفافية والمحاسبة، يتحوّل إلى أداة لتكريس منطق الأمر الواقع: دولة عاجزة عن استعادة الأموال المنهوبة، وعاجزة عن محاسبة من تسبّبوا بالانهيار، لكنها قادرة على مطالبة مواطنيها بتحمّل الخسائر.
القضاء: الغائب الحاضر
في قلب هذا المسار كلّه، يبرز سؤال القضاء بوصفه الغائب الحاضر. فكيف يمكن الحديث عن فجوة مالية، أو عن توزيع للخسائر، فيما القضاء معطّل أو مُعطّل، عاجز عن ملاحقة المسؤولين، أو ممنوع من الاقتراب من جوهر الانهيار؟ إن تعطيل القضاء أو تسييسه لم يكن تفصيلًا، بل شرطًا لازمًا لحدوث الانهيار واستمراره.
من دون قضاء مستقل وفاعل، لا معنى لأي قانون إصلاحي، لأن العدالة لا تُجزّأ، ولا يمكن استبدالها بتشريعات تعويضية. فقضية الودائع ليست مسألة تفاوض مالي، بل مسألة حقوق مسلوبة، وأي مقاربة تتجاوز القضاء إنما تسعى عمليًا إلى طيّ الصفحة لا إلى فتحها.
سؤال العدالة قبل الاقتصاد
أي نقاشٍ جدي حول الفجوة المالية يجب أن يبدأ بسؤال العدالة، لا بسؤال الأرقام:
• أين ذهبت الأموال؟
• من استفاد من السياسات المالية؟
• لماذا تُوزَّع الخسائر قبل استنفاد كل مسارات المحاسبة؟
من دون إجابة واضحة عن هذه الأسئلة، يتحوّل القانون إلى غطاء لإعادة إنتاج النظام نفسه الذي قاد إلى الانهيار. وهنا تكمن خطورته الحقيقية: ليس في كلفته المالية فحسب، بل في كلفته السياسية والأخلاقية.
خاتمة: من الدولة المؤجَّلة إلى الدولة الفاشلة
الفجوة المالية ليست قدرًا، بل نتيجة. نتيجة خيارات سياسية، وتحالفات سلطوية، وغياب دولة فعلية. وما يُطرَح اليوم ليس ردمًا للفجوة، بل تعميقًا لها، لأن الدولة التي تؤجّل محاسبة نفسها، تؤجّل إنصاف مواطنيها معها.
إذا كانت الدولة المؤجَّلة تؤجّل نفسها، فإن قانون الفجوة المالية يعلن انتقالها إلى مرحلة جديدة: الدولة الفاشلة. دولة عاجزة عن حماية حقوق مواطنيها، عاجزة عن استعادة الأموال المنهوبة، عاجزة عن فرض العدالة والقانون. وهذه هي الصورة الحقيقية لما نعيشه اليوم.
إنه قانون يُفترض أن يداوي الانهيار، لكنه في صيغته المطروحة يثبّته ويمنحه شرعية قانونية كاملة. وهو يضع مجلس النواب أمام مسؤولية تاريخية: فإمّا أن يكون شريكًا في نهبٍ مُشرعن يُقفل ملف الانهيار بلا عدالة، وإمّا أن يفرض، من خلال التشريع، مسارًا معاكسًا يبدأ بالمحاسبة واستعادة الأموال المنهوبة، ويعيد تعريف دور الدولة بوصفها حاميةً للحقوق لا أداةً لتصفية الخسائر.
دون ذلك، لن يكون هذا القانون سوى فصلٍ جديد في سيرة الدولة الفاشلة.











12/20/2025 - 12:30 PM





Comments