"النسيان الرقمي" وتآكل الذاكرة في عصر التكنولوجيا... هل نربح الوقت ونخسر العقل؟

12/19/2025 - 01:11 AM

Prestige Jewelry

 

 

ربى ابو فاضل

لم يعد حفظ رقم هاتف، أو تذكر موعد، أو حتى استدعاء معلومة عامة، مهارة يومية كما كان في السابق، فبضغطة زر يقوم الهاتف الذكي أو محرك البحث أو تطبيق الذكاء الاصطناعي بالمهمة كاملة.

في المقابل، يبدو أن الدماغ البشري أعاد تنظيم أولوياته، لم يعد يتذكر المعلومة بقدر ما يتذكر مكان وجودها، أو الأداة القادرة على استحضارها. هذه الظاهرة باتت تعرف في علم النفس المعرفي بـ "النسيان الرقمي"Digital Amnesia".

في لبنان، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، مع انفجار غير مسبوق في الاستخدام الرقمي، تكتسب هذه الظاهرة أبعادا أكثر حساسية، لا سيما لدى الأطفال والمراهقين، فغياب السياسات التربوية الرقمية الواضحة، إلى جانب الاعتماد شبه الكامل على الهواتف الذكية كوسيلة تعليم وتواصل وترفيه، يطرح أسئلة جدية حول أثر هذا التحول في الذاكرة والانتباه، والقدرات المعرفية طويلة الأمد.

ومع تصاعد دور "الإنترنت"، والهواتف الذكية، والذكاء الاصطناعي، لم يعد الإنسان مضطرًا إلى تذكر المعلومات بحد ذاتها، بل لمعرفة أين يجدها وكيف يصل إليها بسرعة. هذا التحول، ورغم ما يوفره من وقت وجهد، يفتح الباب أمام تحديات معرفية ونفسية عميقة، خصوصا لدى الأجيال الناشئة التي تنمو داخل بيئة رقمية مكتملة، حيث تستبدل الذاكرة بالتخزين السحابي، والاستدعاء العقلي بالبحث الفوري.

التكنولوجيا سلاح ذو حدين

المستشارة التربوية والنفسية في جمعية "إثراء لبنان" سمر رحمة، أكدت أن "التكنولوجيا سلاح ذو حدين، يمكن أن تكون أداة داعمة للذاكرة والتعلم إذا استخدمت بوعي، أو عاملا مضعفًا للقدرات الذهنية والاجتماعية، إذا حلت مكان الإنسان بدل أن تساعده".

وتوضح أن "التكنولوجيا اليوم أصبحت أشبه بسكرتير ذكي، يسهل حياتنا ويمنحنا وصولا سريعًا إلى المعلومات، بعدما كان الإنسان في الماضي يبذل جهدا كبيرًا للحصول عليها، إلا أن الخطورة تبدأ عندما يتحول هذا الدعم إلى اعتماد كامل، فتصاب الذاكرة بالكسل ويتراجع دور التفكير والتحليل".

وتضرب مثالًا من الحياة اليومية قائلة "إن الجيل القديم كان يحفظ أرقام الهواتف عن ظهر قلب، بينما يعتمد الجيل الحالي على الهاتف لتذكر حتى أقرب الأرقام إليه"، وتوضح أن "المشكلة ليست في استخدام الهاتف، بل في التخلي التام عن تمرين الذاكرة"، مؤكدة أن "بعض الأرقام والمعلومات الأساسية يجب أن تحفظ عمدا، لأنها تشكل تدريبًا مهما للدماغ".

التكنولوجيا عطلت عقولنا بيولوجياً

من جهته، يؤكد استشاري أعصاب، فضل عدم الكشف عن اسمه، أن "الاعتماد على الهواتف لتذكر المعلومات، يجعل الدماغ يركز على مكان المعلومة بدل استدعائها ذهنيًا، ما يؤدي إلى كسل معرفي مؤقت"، مشيرًا إلى أن "الحل يكمن في استخدام التكنولوجيا كأداة مساعدة، مع تعزيز التفكير وحل المشكلات، وممارسة الألعاب الذهنية، وتعلم مهارات جديدة، والحفاظ على النشاط الاجتماعي والبدني لحماية الذاكرة".

يتابع "في الواقع، ما نلاحظه اليوم ليس مجرد تطور تكنولوجي، بل تراجع وظيفي في الذاكرة البشرية، نتيجة هذا الاعتماد المفرط. فالتكنولوجيا لم تضعف عقولنا بيولوجيا، لكنها عطلت استخدامها، والذاكرة لم تتآكل، بل تم "تعليقها" وتسليمها للأجهزة". وتشير دراسات علم الأعصاب إلى أن الدماغ يعمل وفق مبدأ "استخدمها أو افقده"Use it or Lose it، هو أحد المبادئ الأساسية في علم اللدونة العصبية Neuroplasticity))، الذي يصف قدرة الدماغ على إعادة تنظيم شبكاته العصبية استجابة للاستخدام أو الإهمال أو الخبرة المتكررة، وقد أُثبت هذا المبدأ تجريبيا للمرة الأولى في منتصف ستينيات القرن الماضي (1965) ، عبر أبحاث العالِمين David Hubel وTorsten Wiesel.

الذاكرة مهارة تدرّب

وفي هذا المجال، تلفت رحمة إلى "أن الدماغ وفق علوم الأعصاب، يعمل من خلال شبكات من الوصلات العصبية التي تتقوى مع التعلم والتجربة"، لذلك تنصح بأن يحرص الإنسان، خصوصا بعد سن الأربعين والخمسين، "على تعلم مهارات جديدة كالعزف، الأشغال اليدوية، الألعاب الذهنية، أو أي نشاط يتطلّب تركيزا وتفكيرا، لأن ذلك يساعد على بناء وصلات عصبية جديدة ويحافظ على الدماغ فعالا".

وتؤكد أن "الذاكرة ليست موهبة فطرية فقط، بل مهارة تدرب، وهنا تبرز أهمية الذاكرة العاملة والوظائف التنفيذية مثل الانتباه، التنظيم، التخطيط وضبط الذات، وهي مهارات يجب تعزيزها منذ الطفولة عبر أنشطة حسية، ألعاب ذهنية، وتمارين تعتمد على التدرج والربط، سواء في المنزل أو في المدرسة".

وفي هذا السياق، تدعو رحمة إلى "اعتماد برامج للتعلم الاجتماعي والانفعالي في المدارس، لأن التركيز على الحفظ الآلي وحده أثبت فشله. فالتعلم الفعال، بحسب قولها، "يقوم على تعليم الطفل كيف يحفظ لا ماذا يحفظ فقط، وكيف يربط المعلومة بحياته اليومية وتجربته الشخصية". وتشير إلى "أن المواضيع التي تهم المتعلم تحفز ذاكرته بشكل أكبر، خصوصا لدى المراهقين، فعندما يكون الموضوع قريبا من اهتماماتهم، كالعلاقات والطبخ والنمو الشخصي أو التوعية من المخدرات، تصبح المعلومة أكثر قابلية للفهم والحفظ، بعكس المعلومات المجردة غير المرتبطة بالواقع".

العزلة الاجتماعية

كما تحذر رحمة من أحد "أخطر التأثيرات السلبية للتكنولوجيا، وهو العزلة الاجتماعية، فالعالم الافتراضي قد يعطي شعورا زائفا بعدم الوحدة، بينما في الحقيقة يبتعد الإنسان تدريجيًا عن العلاقات الواقعية"، وتوضح أن "دراسات عدّة أظهرت أن الأشخاص الذين يحافظون على شبكة علاقات اجتماعية صحية، هم أقل عرضة للاكتئاب والضغوط النفسية، وأكثر توازنا نفسيًا وذهنيًا".

وتضيف أن "الضغط النفسي والتوتر يؤثران بشكل مباشر في الذاكرة والتركيز، ما يجعل الحفاظ على العلاقات الاجتماعية عاملا أساسيًا، في حماية الصحة النفسية والذهنية".

تؤكد دراسة "هارفارد" التي امتدت 85 عاما، والتي تابعت 724 رجلاً من المراهقة حتى الشيخوخة، صحة كلام رحمة حول أهمية العلاقات الاجتماعية، فالأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات قوية وداعمة، كانوا أكثر سعادة وصحة وذاكرة أفضل، ما يقلل من التراجع المعرفي، وهو ما يتفق مع تحذيراتها من العزلة الرقمية وأثرها في الدماغ.

وفي ختام حديثها، أكدت رحمة على أن "التكنولوجيا يجب أن تبقى أداة مساعدة لا بديلا عن التفكير، وأن محاربة النسيان تبدأ من تحويل التعلم إلى تجربة حية تستخدم الحواس والحركة والتفاعل الاجتماعي والمعنى، فحين يشعر الإنسان بالمعلومة، ويفهم سبب تعلمها، تبقى راسخة في ذاكرته وتتحول إلى جزء من حياته".

حماية الصحة النفسية والذاكرة

في نهاية المطاف، يفرض النسيان الرقمي علينا إعادة التفكير في علاقتنا بالتكنولوجيا، ففي عصر المعلومات والذكاء الاصطناعي، ليست القوة لمن يمتلك أحدث الأجهزة، بل لمن يعرف كيف يحافظ على ذاكرته، ويجعلها أداة فكرية حقيقية. فالذاكرة ليست مجرد تخزين معلومات، بل تجربة حياة وتفاعل مع المعرفة، والتكنولوجيا يجب أن تبقى مساعدا لا بديلا عن العقل، فحين نتعلم لنشعر بالمعلومة ونفهمها، تترسخ في أذهاننا وتصبح قوة حقيقية في مواجهة النسيان الرقمي.

يشار إلى أن هناك عدة دول اتخذت خطوات للحد من استخدام "الإنترنت" والهواتف، من أجل حماية الصحة النفسية والذاكرة لدى المواطنين، خاصة الأطفال والمراهقين، كأوستراليا التي حظرت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال تحت 16 سنة منذ 10 كانون الأول 2025، كما طبّقت البرازيل قانوناً يحد من استخدام الهواتف الذكية في المدارس، لتحسين التركيز والرفاهية الفكرية للطلاب، بينما تشجع جهات في اليابان على تقليل وقت الشاشة بتوصيات رسمية.

هذه الإجراءات تبرز محاولة بعض الحكومات تنظيم العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، بهدف حماية القدرات المعرفية، بدلا من الاستسلام للاعتماد الرقمي الكامل. 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment