بقلم: راسم عبيدات
العملية التي جرت في الخامس عشر من هذا الشهر على أحد شواطئ العاصمة الأسترالية سيدني، أثناء احتفال أقامته حركة "حباي" اليهودية بمناسبة عيد "الحانوكاه" (الأنوار)، والتي نتج عنها 16 قتيلاً وحوالي 40 جريحاً، بينهم حاخام الحركة إيلي شيلنغر، والتي تبيّن أن منفذيها هما أب وابنه، حملت الكثير من التساؤلات حول توقيت العملية والمستفيدين من أهدافها المشبوهة والمسيئة والمضرة بالنضال الوطني الفلسطيني.
المتضرر الأول من هذه العملية هو الشعب الفلسطيني ونضاله المشروع، هذا النضال الذي يجب عدم نزع الطابع الأخلاقي والقانوني والشرعي عنه، مهما بلغ حجم "التغول" و"التوحش" الإسرائيلي في العدوان على شعبنا. هذا "التغول" و"التوحش" كانت من تداعياته انفضاض الحاضنة الشعبية الأوروبية الغربية عن إسرائيل وزيادة عزلتها عالمياً، وتراجع وسقوط الرواية والسردية الإسرائيلية حول اللاسامية والمظلومية الإسرائيلية، واللتين تراجعتا بشكل كبير جداً. أستراليا شهدت احتجاجات شعبية واسعة دعماً للشعب الفلسطيني، وكذلك مطالبة بوقف حرب التجويع والحصار على قطاع غزة، ووقف عمليات القتل العشوائي. كما أن الحكومة الأسترالية من الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية.
إذًا، هناك من هو مستفيد من توظيف هذه العملية، وليس هو الوحيد في هذا الإطار والسياق الذي يمكن وضعه في دائرة الاتهام والاستفادة. فهناك تنظيم "داعش" الذي شعر بأن الحرب تشتد عليه، بالتحول الذي طرأ على ما يُعرف بجبهة النصرة، والتي وُلدت من رحم تنظيم "القاعدة"، وهي تتماثل عقائدياً وتتداخل تنظيمياً مع البيئة التي تستقي منها داعش بنيتها التنظيمية. لكنها تمثل ثانياً تعبيراً عن تحوّل جارٍ في هذه البيئة نفسها، بما في ذلك البنية التنظيمية لجبهة النصرة، كنتيجة لحجم الانتقال السريع الذي اتخذت قيادة النصرة قراراً بتنفيذه من خطاب العداء المبدئي والعقائدي لأميركا إلى العمل تحت رايتها، وما يتركه هذا الانتقال من تداعيات على بنية ثقافية تمّ بناؤها على خيارات معاكسة لا تستطيع تقبل هذا الانتقال والتأقلم معه.
ما إن تم الإعلان عن تلك العملية الإرهابية، والتي منع استمرار سقوط المزيد من الضحايا رجل مسلم أسترالي من أصول سورية، حتى حُرم نتنياهو وحكومته من توظيف ذلك في توجيه الاتهام إلى ما يسمونه بالتطرف والإرهاب الإسلامي. ولذلك، تم توجيه الاتهام إلى إيران وحزب الله، فهذا الاتهام من السهل ترويجه أميركياً وأوروبياً غربياً، ولكن اتضح أن المنفذ هو من جماعة "داعش" الإرهابية، والتي يجري إحياؤها من جديد.
العملية استغلتها إسرائيل ورئيس وزرائها نتنياهو في محاولة "ترميم" صورة إسرائيل "الضحية"، وإعادة الحياة إلى سردية "معاداة السامية" التي تآكلت كلياً بفعل حرب الإبادة في قطاع غزة. والأهم من ذلك، معاقبة أستراليا التي اعترفت بالدولة الفلسطينية، والقول لها إن ما حصل هو نتاج لمواقفها، التي شُكلت كمكافأة ودعم لحماس والمقاومة الفلسطينية.
"إسرائيل" أيضاً أرادت أن تستثمر وتستغل تلك العملية، لكي تشجع هجرة وقدوم اليهود من أستراليا إلى "إسرائيل"، فهي الملاذ والمكان الآمن لهم، والذي يوفر لهم الأمن والحماية.
هناك الكثير من العمليات المشبوهة التي جرى تنفيذها بأيدي أجهزة مخابراتية، ومن ضمنها "الموساد" الإسرائيلي وجهات مأجورة، بهدف تشويه صورة المقاومة والشعب الفلسطيني، وحركات المقاومة العربية، أو بغرض دفع اليهود للهجرة من بلدانهم إلى "إسرائيل"، وخاصة في فترة ما بعد النكبة عام 1948، حيث كانت هناك عمليات تفجير وزرع قنابل في مؤسسات ومعابد يهودية في سوريا ومصر والعراق.
علينا أن نكون دائماً على درجة عالية من اليقظة والحذر، فليس كل ما يلمع ذهباً. ولسنا في صراع مع الديانة اليهودية، ولا مع اليهود، فهناك الكثير من يهود العالم الذين شاركوا في المظاهرات والمسيرات الاحتجاجية في أستراليا نفسها ودول أوروبا الغربية، وحتى في أمريكا نفسها، داعين إلى وقف حرب الإبادة والتجويع والحصار على قطاع غزة. ومواقفهم هذه ساهمت في حدوث تغيرات وتبدلات في المواقف تجاه شعبنا وقضيته وحقوقه المشروعة، واضعة علامة استفهام كبيرة على صحة وحقيقة الرواية والسردية الإسرائيلية، فيما يُعرف باللاسامية والمظلومية الإسرائيلية، والدولة التي تُصوَّر على أنها واحة "الديمقراطية" الوحيدة في المنطقة، في صحراء قاحلة من التطرف والديكتاتورية.
ولذلك، علينا أن نستمر في كشف كذب وزيف تلك الرواية والسردية، وخاصة من خلال المشاهد التي يجب أن يجري توثيقها ونشرها على أوسع نطاق، حيث يتجمد ويموت أطفال غزة حالياً من شدة البرد والجوع، وتغرق خيامهم في الوحل، ويجري اقتلاعها من شدة الرياح، في ظل نقص غذائي ودوائي وصحي.
نعم، العالم بغربه وشرقه بات في الرأي العام العالمي لصالح قضيتنا، وهذا الانقلاب الشعبي والجماهيري الواسع شكّل ضغوطاً جدية على حكوماته وقادته السياسيين، لدفعهم إلى فرض عقوبات سياسية واقتصادية وتجارية، وحتى حظر تصدير السلاح إلى دولة الاحتلال. وهو ما دفع العديد منها للهروب إلى الأمام من تلك الضغوط، عبر الاعتراف بالدولة الفلسطينية، في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. بريطانيا وفرنسا وأستراليا نموذج على عمق هذا التحول والتغير.
نعم، هذه التحولات الشعبية والجماهيرية الكبرى في أوروبا الغربية وأمريكا، هي التي ستُسقط الطغم الرأسمالية "المتغولة" و"المتوحشة"، ومن يريدون السيطرة على خيرات وثروات الشعوب، عبر التدخل في شؤونها، والعدوان عليها، وإسقاط أنظمتها الشرعية، كما يجري الآن من قبل المأفون ترامب بحق فنزويلا.
هذا المأفون الذي يظهر بأنه مع السلام ووقف الحروب، نجده يعمل على تسعيرها، بما يخدم مصالحه وأهدافه. ولذلك، فإن حجم الفشل الذي يواجهه داخلياً وخارجياً، دفعه للقول إنه يخشى الخسارة في الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي بعد أقل من عام. وفي إطار معاداته للشعب الفلسطيني، أصدر مرسوماً رئاسياً بمنع حملة الجواز الفلسطيني من الدخول إلى أمريكا.
أيًّا تكن الأطراف المتورطة والمستفيدة من عملية سيدني واستهداف محتفلين يهود من جمعية "حباي" الدينية في عيد الأنوار "الحانوكاه"، فهذه العملية أكثر المتضررين منها نحن كفلسطينيين. ومهما "تغوّل" و"توحّش" الاحتلال في حربه وعدوانه على شعبنا، واستخدم الحصار والتجويع في تلك الحرب، بما يرتقي إلى جريمة حرب وانتهاك فظ للشرعية الدولية التي تُداس تحت أقدام أمريكا وإسرائيل، فإنه يجب علينا كفلسطينيين أن نتمسك بشرعية وأخلاقية نضالنا الفلسطيني، وعدم تشويه طابعه وجوهره.
فلسطين – القدس المحتلة











12/17/2025 - 09:56 AM





Comments